ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد ١٩
وسبحانه يُعلمنا هنا أنه خلق السماوات والأرض بميزان الحق، فلا تأتي السماء وتنطبق على الأرض، فسبحانه القائل :
يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. ٦٥ ( الحج ).
وأنت كلما سِرت وجدت الشمس من فوقك، وهي مرفوعة بنظام هندسيّ دقيق.
وهكذا أراد الحق سبحانه أن يؤكّد قضية كونية محسّة مشهودة ؛ وبدأ بقوله :
ألم تر.. ١٩ ( إبراهيم ).
رغم أنه لا يوجد مع العين أين ؛ ذلك أن الشمس واضحة أمام كل البشر، وهكذا نجد أن معنى ( ألم تر ) هنا تكون بمعنى ( ألم تعلم ).
وجاء سبحانه ب ألم تر هنا ليدلّنا على أن ما يُعلمنا الله به من حق أصدق مما تُعلمنا به العين ؛ فإذا قال سبحانه : ألم تر فهي تعني : ألم تعلم عِلما مؤكّدا، لأن عينيك ربما تخونك في الرؤيا، أو تخدعك بالإبصار، ولكن إذا قال لك الله ألم تر فاعلم أنه علم موثوق به.
وحين يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والأرض ؛ فكان لا بد لنا أن نعلم أنها لم تكن لتوجد إلا بخلق الله لها ؛ وهو الذي أخبرنا أنها من خلقه ؛ ولم يدّعها أحد لنفسه، وبذلك تثبت له قضية خلقها إلى أن يقول آخر أنه خلقها ؛ ولم يقل لنا أحد ذلك أبدا.
وسبق أن قال سبحانه :
لَخلْق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ٥٧ ( غافر ).
والبشر كما نعلم لا يعيش فرد منهم مثلما تعيش السماء ؛ فالفرد يموت ويولد غيره ؛ وكل البشر يأتون ويذهبون، والشمس باقية، وكذلك الأرض.
ومن عجيب الخَلق الرحماني أن الله خلق كل ذلك تسخيرا لأمر الإنسان ؛ فلا يشذ كائن من تلك المسخرات عن أمر الإنسان.
وما طُلب منك أيها الإنسان تكليفا أنت مخيّر فيه إن شئت آمنت، وإن شئت كفرت ؛ وإن شئت أطعت، وإن شئت عصيت.
ولكن المخلوق المسخّر لخدمتك ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل :
{ إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبَين أن يحملنها وأشفقن١ منها وحمَلها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ٧٢ ) ( الأحزاب ).
وقد أعلمنا هذا القول الكريم بأن الرحمانية سبقت لنا نحن البشر من قبل خلقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مُهيّأ لنا.
ومن العجيب أن الكون المخلوق لنا استبقاء لحياتنا واستبقاء لنوعنا يتركز في أشياء لا دخل لنا فيها، ولا تتغير أبدا ؛ وهي الأشياء العليا كالشمس والقمر والأرض.
وهنالك أشياء أخرى يكون التغيير فيها نوعين : قسم يتغير ويأتي بدلا منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيدا، وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت.
وهناك خلق يتغير مع إبقاء عناصره، وإن تغيرت مادته، كالجمادات التي نراها –الجبال والأرض وعناصرها- ونكتشف منها كل يوم جديدا.
إذن : فالمخلوقات التي استقبلت الوجود الإنساني نوعان : نوع لا دخل للأغيار فيها ؛ ونوع آخر فيه دخل للأغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات ؛ ونوع تتغير أنواعه وأجناسه.
كل هذه الأشياء تدلّنا على أن الحق سبحانه وتعالى له صفتان :
صفة القدرة والقهر ؛ وهو سبحانه يقهر ما يشاء على ما يشاء ؛ ولا يتغير.
وصفة الاختيار التي أوجدها في الإنسان.
وأثبتت صفة القدرة التي سخّر بها سبحانه الأشياء لخدمة الإنسان مطلق سلطانه سبحانه على كل خلق ؛ فلا شيء يخرج عن مراده أبدا.
وأراد سبحانه بصفة الاختيار التي وهبها للإنسان أن يأتيه عبده الإنسان محبا متبعا لتكاليفه الإيمانية، فالذي يطيع الله وهو قادر على أن يعصيه إنما يدل بذلك على أنه مُحبٌّ لله، ويُثبت له صفة المحبوبية.
وهنا يقول الحق سبحانه :
ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق.. ١٩ ( إبراهيم ).
ولنا أن نلحظ أن كلمة ( بالحق ) وردت في مواقع كثيرة من القرآن الكريم.
وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم قوله تعالى :
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق.. ٨٥ ( الحجر ).
وقوله تعالى :
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين٢ ٣٨ ( الدخان ).
وهذا يدل على أن السماوات والأرض مخلوقة على هيئة ثابتة، وقد جعل ذلك مدارس الفلسفة تستقبل تلك القضية استقبالين ؛ استقبال من يريد أن يؤمن ؛ واستقبال من يريد أن يكفر. وانقسم من أرادوا الكفر إلى فريقين.
الفريق الأول : أخذ من ثبات قوانين الشمس والقمر والأرض دليلا على أنه لا يوجد خالق لهذا الكون، وقالوا : لو أن هناك خالقا له لغيّر من هيئة السماوات والأرض، ولكن كل من تلك الكواكب تدير نفسها بآلية ذاتية مُحكمة.
والفريق الثاني : ممن أرادوا الكفر قال : إن الشذوذ في الكون ووجود خَلَل وعيوب خلقية في بعض من المخلوقات والأنواع ؛ دليل على أنه لا يوجد إله. فكيف يخلق إله مخلوق أعمى، وآخر أعرج ؛ وثالثا بعين واحدة ؟
وهكذا أخذ هذا الفريق من أهل الكفر وجود الشذوذ في الكون كدليل على عدم وجود إله.
ومن العجيب أن الفريق الذي أراد التغيير في هيئة السماوات والأرض، أراد ذلك كدليل على وجود خالق، والفريق الذي رأى أن هناك شذوذا في بعض المخلوقات أخذ ثبات الخَلق على هيئة واحدة كدليل على وجود إله.
كل ذلك يدلّنا على أن الفريقين قد أخذا من قضيتين متعارضتين دليلا على الكفر، ولم يتفق الفريقان على قضية واحدة، وهذا يوضح التناقض بينهما.
ولو أمعن كل من الفريقين النظر لعلِم كل منهما أن الإيمان ضرورة أساسية لفهم هذا الكون على ثبات ما فيه، وعلى وجود بعض من الشذوذ فيه.
فأنت يا من تنتظر ثباتا في الأكوان خذ ثبات آلية الحركة في السماوات والأرض والشمس والقمر دليلا على الإيمان بوجود خالق إله قادر.
وأنت يا من تأخذ التغيّر في الخلق دليلا على وجود خالق، فها أنت ترى اختلاف بعض المخلوقات ما يجعلك تعثر على عدم التماثل في المخلوقات دليلا على وجود إله خالق له طلاقة القدرة.
وأوضح الحق سبحانه لنا أنه لم يخلق السماوات والأرض لعبة ؛ بل خلقها بالحق، وهنا ك فارق بين اللعبة والحق، فاللعبة قد يتوصل إليها من يبعث بشيء ؛ فتخرج له صُدفة يستخدمها هو أو غيره كلُعبة.
يقول الحق :
خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ٣ ( النحل ).
أما الخلق بالحق ؛ فهذا يعني أن من يخلقها إنما يفعل ذلك بموازين دقيقة محكمة، ويصنعها على نظام ثابت له قضية تحكمه من الحكمة والحق.
وما دام الكون الأعلى ثابتا، فإن الحق سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض، وما دمت تريد ثباتا في حركتك الاختيارية ؛ فخذ المنهج الذي أنزله الله بالحق، فتثبت قضاياك كما ثبتت القضايا العليا، وأنت حين تخرج عن منهج الحق تجد فسادا.
وإذا أردت ألاّ يوجد فساد في المجتمع من أيّ لون فابحث عن حكم الله الذي ضيّعه الإنسان في مخالفة منهجه تجد أن ضياعه هو السبب في وجود الفساد، واقرأ قوله الحق في سورة الرحمن :
الرحمن ١ علّم القرآن ٢ خلق الإنسان ٣ علّمه البيان٣ ٤ الشمس والقمر بحسبان ٥ والنجم والشجر يسجدان ٦ والسماء رفعها ووضع الميزان ٧ ألا تطغوا في الميزان ٨ وأقيموا الوزن بالقسط٤ ولا تُخسروا الميزان ٩
( الرحمن ).
وهكذا أنت ترى الشمس –على سبيل المثال- منضبطة في شروقها وغروبها وكُسوفها، وكذلك القمر في سطوعه أو مَحاقه٥ أو خسوفه.
وكما رفع الحق سبحانه السماء ووضع الميزان، فعليكم أن تزِنوا كل أمر بالميزان الصحيح لتنصلح أموركم، فإن اعتدال الموازين المادية والمعنوية والقيمية هي استقرار لحركة الحياة.
أما إن ظللتم على العِوج فاعلموا أنه سبحانه قادر على أن يُذهبكم وأن يأتي بخلق جديد :
إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد ١٩ ( إبراهيم ).
إن منطوق الآن ومفهومها ليس مراده سبحانه، لأن الله خلق الخلْق، ووهبهم الاختيار ليُقبل الخلق على الله، رغم أنه سبحانه قد ملّكهم ألا يُقبلوا عليه.
وفي موقع آخر يقول سبحانه :
هاأنتم هؤلاء تُدعَون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنيّ وأنتم الفقراء وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ٣٨ ( محمد ).
ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلاد المسيح عيسى بن مريم.
ولما ضُرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدّون ٥٧ وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خَصِمون ٥٨ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ٥٩ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ٦٠ ( الزخرف ).
إذن : فطلاقة قدرة الله التي خلقته بلا أب، يمكن أن تفعل تلك القدرة المطلقة ما تشاء، فلا شيء يتأبّى على مرادات الحق ولا على قدراته.
ويقول في موقع آخر :
فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون ٤٠ على أن نبدّل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ٤١ ( المعارج ).
فلا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته.

١ أشفقن منها: ضقن من حمل الأمانة، ومن نتائج عدم الوفاء بحقوقها. [القاموس القويم ١/٣٥١]..
٢ لعب: عمل عملا لا يُجدى عليه نفعا. لاعبون: عابثون غير جادين. [القاموس القويم: ٢/١٩٤]..
٣ البيان: النطق المعبّر عما في النفس من معان وأفكار. [القاموس القويم: ١/٩٢]..
٤ القسط: العدل. وأقسط: عدل وأزال الظلم والجور. والقسطاس: الميزان والعدل. [القاموس القويم ٢/١١٦]..
٥ المحاق: آخر الشهر إذا امّحق الهلال فلم يُرَ. وقال ابن الأعرابي: سُمّي المحاق محاقا لأنه طلع مع الشمس فمحقه فلم يره أحد. [لسان العرب - مادة: محق]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير