ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كُفرا وأحلّوا قومهم دار البوار١ ٢٨
وحين يقول الحق سبحانه :
ألم تر.. ٢٨ ( إبراهيم ).
فهذا يعني أن المُخبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق من أن تراه أعيننا.
وتشير الآية إلى عملية مُبادلة بين اعتراف بالنعمة، ثم إنكارها.
كان هناك شيئا قد استبعدناه، وأتينا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل :
أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. ٦١ ( البقرة ).
والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقوم بأي تكليف لإيمانيّ قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألا يعصي العبد من أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة، كي لا يقلب نعمة الله كفرا.
أو : أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء٢ الله عليهم الخير، وجعل لهم الحرم آمنا :
أو لم نُمكّن لهم حَرَماً آمنا يُجبى٣ إليه ثمرات كلّ شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ٥٧ ( القصص ).
وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام –الدين الخاتم- منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان، فلماذا يُبدّلون تلك النعمة كفرا ؟
أمَا كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحُسن العبادة ؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته :
وإنه لذِكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون ٤٤ ( الزخرف ).
وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم :
لإيلاف قريش ١ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ٢ فليعبدوا رب هذا البيت ٣ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ٤ ( قريش ).
فكيف يبدّلون نعمة الله كفرا ؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وصَحبه حتى قال صلى الله عليه وسلم :( اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف )٤.
وخرج لقتالهم في بدر، وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفرت، ولماذا قبِلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه ؟
ولو كانوا قوم صِدق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لطلبوا من الأصنام أن تعطيهم، أو لرفضوا أن يأخذوا خير المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمقوّمات المادة، وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح.
وحين نقرأ قول الحق سبحانه :
وأحلّوا قومهم دار البوار ٢٨ ( إبراهيم ).
نفهم أن الإحلال هو إيجاد حالٍّ في محلّ. ونعلم أن الظّرف ينقسم إلى قسمين : ظرف مكان، وظرف زمان، فإذا أحللْت حدثا محلّ حدث، فهذا يخص ظرف الزمان، وحين تحل شيئا مكان شيء آخر، فهذا أمر يخص ظرف المكان.
وهنا يقول الحق سبحانه :
وأحلّوا قومهم دار البَوار ٢٨ ( إبراهيم ).
وهذا يعني ظرف مكان. ولقائل أن يقول : وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بَوار ؟
ونقول : لقد حدث ذلك نتيجة أنهم غَشّوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم، ولم يلتفتوا إلى أن قادتهم وأولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيئ وعليهم ألاّ يقلدوهم، فجرّوا عليهم الفتن واحدة تلو أخرى، وترين٥ الفتن على القلوب.
ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن، فتحثّ النفس اللوامة المؤمن ؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس أمّارة بالسوء وجدت في المجتمع المسلم من يزجرها.
وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم محصّنة ضد الفتن التي تُذهب الإيمان.
ويقول الحق سبحانه :
كنتم خير أمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.. ١١٠ ( آل عمران ).
ويُذكّرنا الحق سبحانه بأن الرسول سيكون شهيدا علينا، ونحن سنكون شهداء على الناس، وهكذا ضمن الحق سبحانه أن يعلم كل واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتدادا لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومثلما شهد الرسول أنه قد بلّغ الرسالة، سيكون على كل حدة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يشهد بأنه قد بلّغ ما علم من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
وكل منا يعلم كيف حدثت الغفلة الأولى ؛ حيت حدثت الغفلة الأُسوة، فزاحمتهم الشهوات وارتكبوا السيئات، فحين غفلت النفس ارتكبت المعصية، حين رأى الناس من يرتكب المعصية قلّدوه.
وهكذا حمل من وقع في الغفلة وِزره ووِزر من اتبعه بالأُسوة السيئة، فصار ضالا في ذاته، ثم تحمّل وِزر من أضله أيضا.
وهكذا صار من فعل ذلك هو من أحل قومه دار البوار.
والبوار يعني الهلاك، ذلك أن الكبار من هؤلاء القوم حين تصرّفوا وسلكوا بما يخالف المنهج أورثوا من اتبعوهم الهلاك.
ونحن في الريف نصف الأرض التي لا تصلح للزراعة بأنها الأرض البُور٦، وكذلك يقال ( قمنا بتبوير الأرض ) أي : أهلكنا ما فيها من زرع.
وحين نقرأ قول الحق :
وأحلّوا قومهم دار البَوار ٢٨ ( إبراهيم ).
نجد في كلمة ( قومهم ) ما يوحي بالخِسّة لمن يرتكبون هذا الفعل الشائن، فمن يُهلك قومه لا بد أن يكون خسيسا، ولا بد أن يكون محترف غشّ وخديعة، فالقوم هم من يقومون معهم، وكان من اللائق أن تضرب على يد من يصيبهم بشر أو يغشّهم أو يخدعهم.
٢ أفاء الله عليه فيئا: منحه غنيمة في الحرب بالنصر أو بغير الحرب. [القاموس القويم ٢/٩٢]..
٣ جبي الخراج والماء: جمعه. وقوله تعالى: يُجبى إليه ثمرات كل شيء.. ٥٧ (القصص) تجمع إلى الحرم المكي وتُساق إليه ثمرات وخيرات كثيرة. [القاموس القويم ١/١١٧]..
٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسنى يوسف..) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٠٦) وأحمد في مسنده (٢/٤٧٠، ٥٠٢، ٥٢١)..
٥ الرين: الصدأ يعلو السيف فيذهب ببريقه ويستعار للغشاوة تغطى على القلب بسبب الذنوب، وران الصدأ عليه: غلب عليه وغطاه كله. [القاموس القويم ١/٢٨٢]..
٦ بور الأرض: ما بار منها ولم يُعمر بالزرع. وقال الزجاج: البائر في اللغة الفاسد الذي لا خير فيه. قال: وكذلك أرض بائرة متروكة من أن يزرع فيها. [لسان العرب - مادة: بور]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي