وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ).
وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وهم يقولون: أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) و (مَا يَشَآءُ) وهم يقولون: لم يملك أن يفعل ما شاء وأراد، بل العباد يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن. واللَّه أعلم.
وقوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو القرآن.
يقول - واللَّه أعلم - يثبت اللَّه الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ)؛ حيث تركوا الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، والعناد.
ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل اللَّه الظالمين الذين تركوا الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا.
ويحتمل أن يكون قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ هو ما ذكر، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ثبت من أجاب اللَّه إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا. واللَّه أعلم بذلك.
وقوله: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا).
اختلف في نزوله: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه السورة، كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية فإنها نزلت بالمدينة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت بمكة كلها.
فمن يمّول: نزلت بالمدينة - يقول: قوله: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ) هو بَدْر؛ أي: حملوهم إلى بدر حتى قتلوا؛ لأنه لم يكن بمكة بدر؛ إنما كان بالمدينة.
ومن يقول: نزلت بمكة - يقول: (دَارَ الْبَوَارِ): هي جهنم؛ على ما فسَّره ظاهر الكتاب، وهو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه بيِّن تلك الدار؛ فقال: (جَهَنَّمَ).
وفي الآية دلالة أن الآية كانت في عظمائهم وكبرائهم؛ حيث قال: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ...) الآية.
ثم اختُلف في النعمة؛ التي ذكر أنهم بدلوها كفرًا؛ فهي تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قد أنعم عليهم في هذه الدنيا؛ ووسعها عليهم؛ فحرموا تلك النعم على أنفسهم؛ فجعلوها للأصنام التي عبدوها وسيبوها؛ ولم ينتفعوا بها، من نحو البَحِيرة التي ذكر، والسائبة، والوَصِيلة، والحامي، وما جعلوا للأصنام هو ما ذكر (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا)، فذلك تبديل النعمة كفرًا؛ حيث حرموا ما أنعم اللَّه عليهم وأحل لهم.
والثاني: تلك النعمة مُحَمَّد أو القرآن أو الإسلام وهو نعمة، كذبوهم أوكفروهم.
أو أن يكونوا بدلوا الشكر الذي عليهم - بما أنعم عليهم كفرًا، جعلوها سببًا للكفر؛ فلم يشكروه بما أنعم عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) حقيقته يخرج على وجهين:
أحدهما: بدلوا وصرفوا ما أنعم اللَّه عليهم؛ وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أنفسهم؛ حتى أخذ منهم؛ بدلوا به كفرًا.
والثاني: بدلوا به كفرًا بعدما سألوا ربهم (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ...) الآية؛ فلم يشكروا ما أنعم عليهم، وبدلوا الشكر كفرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ).
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم