تفسير المفردات : ويصلونها : يقاسون حرها.
المعنى الجملي : بعد أن ضرب عز اسمه الأمثال بيانا لحالي الفريقين، وذكر ما يلهمه من التوفيق في الدارين للسعداء، وما ينال الأشقياء من الخذلان والإضلال، جزاء ما كسبت أيديهم من تدسيتهم لأنفسهم باجتراحهم للشرور والآثام، وبين أن كل ذلك يفعله على حسب ما يرى من الحكمة والمصلحة.
ذكر هنا الأسباب التي أوصلتهم إلى سوء العاقبة معجّبا رسوله مما صنعوا من الأباطيل التي لا تكاد تصدر ممن له حظّ من الفكر والنظر، ولم تكن هذه الطامة خصّيصى بهم، بل كانت فتنة شعواء عمتهم جميعا واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ الأنفال : ٢٥ ].
ذاك أنهم بدلوا النعمة كفرا، والشكر جحدا وإنكارا، وليت البلية كانت واحدة بل أضافوا إليها أخرى فاتخذوا لله الأنداد والشركاء، ثم ثلّثوا بإضلال غيرهم فكانوا دعاة الكفر وأعوان الفتنة :
فلو كان همّ واحد لاحتملته ولكنه هم وثان وثالث
ومن ثم كانت عاقبتهم التي لا مرد لها العذاب الأليم في جهنم وبئس المصير، ثم بيّن لرسوله أن مثل هؤلاء لا تجدي فيهم العظة، فذرهم يتمتعوا في هذه الحياة حتى حين، ثم لا بد لهم من النصيب المحتوم.
وبعد أن أمر الكافرين على سبيل الوعيد والتهديد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر عباده المؤمنين بعدم المغالاة في التمتع بها، والجد في مجاهدة النفس والهوى، ببذل النفس والمال في كل ما يدفع شأنهم، ويقرّبهم من ربهم، وينيلهم الفوز لديه في يوم لا تنفع فيه فدية ولا صداقة ولا خلة : يوم لا ينفع مال ولا بنون ٨٨ إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء : ٨٨ -٨٩ ].
أخرج عطاء عن ابن عباس أن هؤلاء هم كفار مكة، وأخرج الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن علي كرم الله وجهه أنه قال في هؤلاء المبدلين : هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.
ثم بين هذه الدار فقال :
جهنم يصلونها وبئس القرار أي هذه الدار هي جهنم دار العذاب التي يقاسون حر نارها، وبئس المستقر هي لمن أراد الله به النكال والوبال.
تفسير المراغي
المراغي