ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

وَجَعَلُوا للَّهِ أَندَادًا معطوف على وأحلوا أي : جعلوا لله شركاء في الربوبية، أو في التسمية وهي الأصنام. قرأ ابن كثير وأبو عمرو «ليضلوا » بفتح الياء أي : ليضلوا أنفسهم عن سبيل الله، وتكون اللام للعاقبة، أي : ليتعقب [ جعلهم ] لله أنداداً ضلالهم، لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه، وحسن استعمال لام العاقبة هنا ؛ لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب، والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. وقرأ الباقون بضم الياء ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أنداداً. ثم هدّدهم سبحانه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُلْ تَمَتَّعُوا بما أنتم فيه من الشهوات، وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار أي : مردّكم ومرجعكم إليها ليس إلا، ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه، ولا يقبلون فيه نصح الناصحين، جعل الأمر بمباشرته مكان النهي قربانه إيضاحاً لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بدّ لهم من تعاطي الأسباب المقتضية ذلك، فجملة : فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره، ويجوز أن تكون هذه الجملة جواباً لمحذوف دلّ عليه سياق الكلام، كأنه قيل : فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار، والأوّل أولى والنظم القرآني عليه أدلّ. وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة السلطان : اصنع ما شئت من المخالفة، فإن مصيرك إلى السيف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا قال : هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا قال : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن عليّ في الآية نحوه أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي الطفيل، أن ابن الكوّاء سأل علياً عن الذين بدلوا نعمة الله كفراً. قال : هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال : فمن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : منهم أهل حروراء. وقد روي في تفسير هذه الآية عن عليّ من طرق نحو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هم جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار قال : الهلاك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله : وَجَعَلُوا للَّهِ أَندَادًا قال : أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار قال : بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ قال : دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قال : من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان التيمي قال : إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرجا أيضاً عن بكر بن عبد الله المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلاّ في مطعمه ومشربه، فقد قلّ عمله وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داود عليه السلام :( ربّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ، فأوحى إليّ : يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك ). وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل : يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر ؟ قال : إن الإنسان لظلوم كفار .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية