تفسير المفردات : لا تحصوها : لا تطيقوا حصرها. والإحصاء : العد بالحصى، وكان العرب يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع. ظلوم : أي لنفسه بإغفال شكر النعمة. كفار : شديد الكفران والجحود لها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال الكافرين لنعمه، حين بدلوا الشكر بالكفر واتخذوا لله أندادا، فكان جزاؤهم جهنم وبئس المهاد، ثُم أمر المؤمنين بإقامة شعائر الدين من صلاة وزكاة، شكرا لربهم على ما أتوا من النعم، وحثا لهم على الجهاد في سبيل كمالهم ورقيهم ببذل النفس والنفيس وهو المال، لتكمل لهم السعادة في الدارين – شرع يذكر الأدلة المنصوبة في الآفاق والأنفس التي توجب على عباده المثابرة على شكره ودوام الطاعة له، ويذكر النعم الجسام التي يتقلبون في أعطافها آناء الليل وأطراف النهار، ليكون في ذلك حث لهم على التدبر فيما يأتون وفيما يذرون، وفيه عظيم الدلالة على وجوب شكر الصانع لها، كما فيه أشد التقريع للكافرين الذين أعرضوا عن النظر والتفكر في تلك النعم، فكان هذا داعية كفرها وجحودها، وغمطها وكنودها.
وآتاكم من كل ما سألتموه أي هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم من كل الذي هو حقيق أن تسألوه، سواء أسألتموه أم لم تسألوه، لأن هذه الدنيا قد وضع الله فيها منافع يجهلها الناس وهي معدة لهم، فلم يسأل الله أحد في الأمم الماضية أن يعطيهم الطائرات والمغناطيس والكهرباء، بل خلقها وأعطاها للناس بالتدريج، ولم يزل هناك عجائب ستظهر لمن بعدنا.
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تطيقوا عد أنواعها فضلا عن القيام بشكرها.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :" اللهم الحمد غير مكفيّ ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ". وأثر عن الشافعي أنه قال : الحمد لله الذي لا يؤدّى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها، وقال شاعرهم :
لو كل جارحة مني لها لغة تثني عليك بما أوليت من حسن
لكان ما زاد شكري إذ شكرت به إليك أبلغ في الإحسان والمنن
إن الإنسان لظلوم كفار أي إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك واضع للشكر في غير موضعه – ذاك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق إخلاص العبادة له، فعبد هو غيره وجعل له أندادا ليضل عن سبيله وذلك هو ظلمه، وهو جحود لنعمه التي أنعم بها عليه، لصرفه العبادة إلى غير من أنعم بها عليه، وتركه من أنعم عليه.
تفسير المراغي
المراغي