وقد مكروا يعني كفار مكة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أرادوا حبسه أو إخراجه أو قتله مكرهم قال المفسرون الضمير المجرور في مكرهم راجع إلى ما يرجع إليه الضمير المرفوع في مكروا، والمعنى أنهم مكروا مكرهم البليغ المستفرغ فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل، وحينئذ لا تعلق لهذا الكلام بما سبق، وعندي أن الجملة معطوفة على قوله وسكنتم، والضمير المجرور راجع إلى الموصول، والمراد الكفار السابقون، والمرفوع إلى الناس أي كفار هذه الأمة، وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى سكنتم في مساكن من قبلكم وتبين لكم ما فعلنا بهم وقد مكرتم مثل مكر السابقين وعند الله مكرهم أي مكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه، أو عندهما يمكر همبه جزاء لمكرهم وإبطالا له وإن كان مكرهم قرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما وإن كاد مكرهم بالدال وقراءة العامة بالنون لتزول منه الجبال قرأ الكسائي وابن جريج بفتح اللام للتأكيد في لتزول والرفع، على إن إن مخففة من الثقيلة واللام هي الفاصلة والمعنى أنه كان مكرهم يعني شركهم عظيما شديدا بحيث تزول منه الجبال بمعنى قوله تعالى : وتخر الجبال هدا٩٠ أن دعوا للرحمان ولدا٩١ ٦٨ قال البغوي حكي عن علي بن أبي طالب في معنى الآية أنها نزلت في نمرود الجبار الذي : حاج إبراهيم في ربه ٦٩ وذلك أنه قال إن كان ما يقوله إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، نعمد إلى أربعة أفرخ من النسور رباها حتى شب، وأتخذ تابوتا وجعل له بابا من أعلى وبابا من أسفل، وقعد نمرود مع رجل في التابوت ونصب خشبات في أطراف التابوت، وجعل على رأسها اللحم وربط التابوت بأرجل النسور وخلاها، فطرن وصعدن طمعا في اللحم حتى مضى يوم وأبعدن في الهواء فقال نمرود لصاحبه افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قريبا منها، ففتح ونظر فقال إن السماء كهيئتها، ثم قال إفتح الباب الأسفل وأنظر إلى الأرض كيف تراها، ففعل فقال : أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان، فطارت النسور يوما آخر وارتفعت، حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه إفتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي أيها الطاغية أين تريد، قال عكرمة كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخا بدم سمكة تذفت نفسها من بحر في الهواء، وقيل : طائر أصابه السهم فقال كفيت بشغل إله السماء، قال : ثم أمر نمرود صاحبه أن يصرف الخشبات وينكس اللحم ففعل، فهبطت النسور في التابوت فسمعت الجبال خفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد حدث حدث من السماء وأن الساعة قد قامت وكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى : وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال وهذه القصة يأبى عنه العقل ولم يثبت بنقل يعتمد عليه، وقرأ الجمهور بلام مكسورة والنصب فإن حينئذ إما نافية واللام لام جحود لتأكيد النفي كقوله تعالى : وما كان الله ليعذبهم ٧٠ أو مخففة من الثقيلة واللام لام كي وكان تامة، والجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وآيات الله والشرائع، والمعنى على الأول وما كان مكرهم مزيلا للجبال و على الثاني أنهم مكروا وثبت مكرهم ليزيلوا ما هو كالجبال الراسيات ثباتا وتمكنا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وآيات الله وشرائعه وذلك محال، وقال الحسن إن كان مكرهم لا ضعف من أن تزول الجبال.
التفسير المظهري
المظهري