يأمر تعالى بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين : أنه قال في قوله تعالى : فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ، إن أخذ منكم رجل شيئًا، فخذوا منه مثله.
وكذا قال مجاهد، وإبراهيم، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد : كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعةٍ، فقالوا : يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب ! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يَسَار قال : نزلت سورة " النحل " كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة، رضي الله عنه، ومثل به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم "، فلما سمع المسلمون ذلك قالوا : والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فأنزل الله : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة١.
وهذا مرسل، وفيه [ رجل ]٢ مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه٣ آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار :
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري٤، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. أو قال : لقلبه [ منه ]٥ فنظر٦ إليه وقد مُثِّل به فقال :" رحمة الله عليك، إن كنت - لما علمتُ - لوصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك٧. فنزل جبريل، عليه السلام، على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة٨ وقرأ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر الآية، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني : عن يمينه - وأمسك عن ذلك٩.
وهذا إسناد فيه ضعف ؛ لأن صالحا - هو ابن بشير المري - ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري : هو منكر الحديث.
وقال الشعبي وابن جُرَيْج : نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم : لنمثلن بهم. فأنزل الله فيهم ذلك.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا هدِيَّة١٠ بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد، قتل من الأنصار ستون رجلا ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم الفتح قال رجل : لا تعرف١١ قريش بعد اليوم. فنادى مناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ] ١٢ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نصبر ولا نعاقب " ١٣.
وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ، ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى : ٤٠ ]. وقال وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ، ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : ٤٥ ]، وقال في هذه الآية الكريمة : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ .
٢ زيادة من ف، أ..
٣ في أ: "من غير وجه"..
٤ في ت: "حدثنا صالح حدثنا المري"..
٥ زيادة من ت..
٦ في ت: "ونظر"..
٧ في ف، أ: "كمثلك"..
٨ في ت: "الآية"..
٩ مسند البزار برقم (١٧٩٥) "كشف الأستار"..
١٠ في ت، ف، أ: "هدية".
.
١١ في ت، ف، أ: "يعرف"..
١٢ زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية"..
١٣ زوائد المسند (٥/١٣٥)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة