ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام ؛ لأن الدعوة لا تنفك عن الأذى، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير، فقال :
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ .
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإِنْ عاقبتم من آذَاكُمْ، فعَاقِبوا بمثل ما عُوقبتم به ، أي : إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة ؛ لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور : إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بَقَر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لئن أظْفَرَنِي اللهُ بِهمْ لأُمَثِّلَنَّ بسِبْعِينَ منهم " فنزلت الآية١، فكفّر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وترك ما أراد من المُثْلَةِ. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا : أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة.
واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه ؟ فأجاز ذلك قوم ؛ لظاهر الآية، ومنعه مالك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " ٢ قاله ابن جزي.
ولئن صبرتم ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، لهو ، أي : الصبر، خيرٌ للصابرين ؛ فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال : فهو خير لكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من شأن الصوفية : الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن في كل شيء، متمثلين لقوله تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزُّمَر : ١٨ ]. ولذلك قالوا : الصوفي : دمه هدر، وماله مباح ؛ لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة.
فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خُلقهم.
وحقيقة الصبر هي : حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة : الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة : بالمبادرة إليها، وعن المعصية : بتركها، وعلى النعمة : بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية : بالرضى وعدم الشكوى بها.
وأقسام الصبر ستة : صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله : فَهُوَ الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله : فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله : فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام ؛ مراقبة أو مشاهدة. فالأول : صبر المحبين، والثاني : صبر المحبوبين.
وأما الصبر بالله : فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله : فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله : فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدًا لحلاوة الأنس، مشاهدًا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ بالله - فليصبر، وليلزم الباب حتى يَمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلاً، داعيًا إلى الله، راجيًا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر ؛ قيامًا بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدًا لله في جميع الحالات، قَرَّبهم أو أبعدهم.
رُوِيَ أن رجلاً دخل على الشبلي رضي الله عنه، فقال : أي صبر أشد على الصابر ؟ فقال له الشبلي : الصبر في الله، قال : لا، قال : الصبر لله، قال : لا، قال : الصبر مع الله، قال : لا، فقال له : وأي شيء هو ؟ فقال : الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. هـ. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر :

إنْ شَكَوْتَ الهَوَى فما أنت مِنَّا احْمِلِ الصَّدَ والجفا يا مُعَنَّا
وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه : كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه ؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال : يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتًا لبعضهم، فأنشأ يقول :
قـف بالـديـار فـهـذه آثـارهـم تبكي الأحبة حسرة وتشوقا
كـم قـد وقفـتُ بربعهـا مستخبـرا عن أهله أو سائلاً أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقْتَ من تهوى فعز الملتقى
ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول : لبيك. فيقول له الهاتف : لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال : هذه بابه، وهل ثَمَّ باب أخرى أقصده منها ؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قِبَلِ الوحي : إنك من أهل النار ؛ فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره ؛ لكمال عبوديته، كما قال القائل :
وَكُنْتُ قَدِيمًا أَطْلُبُ الوَصْلَ مِنْهُمُ فلَمَّا أَتَانِي العِلْمُ وارْتَفَع الجَهْلُ
تيقـنـت أَنَّ العَبْـدَ لا طَلـَـبٌ لَـهُ فَإِنْ قَرُبُوا فَضْلٌ وإِنْ بَعُدُوا عَدْلُ
وإنْ أَظْهَرُوا لَمْ يُظْهِرُوا غَيْرَ وَصْفِهِمْ وإِنْ سَتَرُوا فالستْرُ مِنْ أَجْلِهِمْ يَحْلُو
وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

١ أخرجه البزار في كشف الأستار ٢/٣٢٧، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/١٢، وابن كثير في تفسيره ٢/٥٩٢..
٢ أخرجه الترمذي في البيوع، حديث ١٢٦٤..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير