من المواطن لامثلن بسبعين منهم مكانك- فلمّا راى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا والله لان ظفرنا الله تعالى يوما بهم من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب- قال ابو هريرة كما رواه ابن سعد والبزار وابن المنذر والبيهقي فى الدلائل والحاكم فنزل جبرئيل (والنبي ﷺ واقف) بخواتيم سورة النحل.
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ العقوبة والعقاب هو جزاء السيئة وانما سمى الفعل الاول عقوبة وانما هى الثانية لازدواج الكلام كما فى قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها مع ان الثانية ليست بسيئة والمعنى لا تجاوزوا فى جزاء السيئة عن المماثلة وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن الانتقام والمعاقبة لَهُوَ اى الصبر خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) من الانتقام وضع المظهر موضع المضمر والتقدير فهو خير لكم ثناء من الله عليهم بانهم صابرون على الشدائد- حث الله سبحانه على العفو تعريضا بقوله وَإِنْ عاقَبْتُمْ وتصريحا على الوجه الاكد بقوله وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ الاية- ثم صرح بالعفو لرسوله ﷺ لانه اولى الناس به لوفور علمه ووثوقه عليه فقال.
وَاصْبِرْ على أذى الكفار وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ اى بتوفيقه واعانته وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ اى على الكافرين او على المؤمنين وما فعل بهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ اى ضيق صدر مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) اى الكفار بالمؤمنين يعنى لا تهتم بمكرهم فانا ناصرك عليهم وعلينا جزاؤهم- قرا ابن كثير هاهنا وفى النمل ضيق بكسر الضاد والباقون بالفتح فى الموضعين وهما لغتان كالقول والقيل- وقال ابو عمرو الضيق بالفتح الغم وبالكسر الشدة وقال ابو عبيدة الضيق بالكسر قلة فى المعاش والمساكن فاما ما كان فى القلب والصدر فانه بالفتح وهذان القولان يأبى عنهما كتاب الله فان القرائتين متواترتان والمراد انما هو الغم فالصحيح ما قالوا انهما لغتان بمعنى- وقال ابو قتيبة الضيق بالفتح تخفيف ضيّق مثل هين وهيّن ولين وليّن فعلى هذا هو صفة كانه قال فلا تكن فى امر ضيّق من مكرهم.
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا المعاصي وَالَّذِينَ هُمْ
مُحْسِنُونَ (١٢٨) فى أعمالهم او مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الله بتعظيم امره وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ بالشفقة على خلقه- او مع الّذين اتّقوا العدوان فى المعاقبة وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ الى الناس بالعفو فالله معهم بالولاية والفضل والعون والنصر «١» معية ذاتية لا كيف لها- قال ابو هريرة فى الحديث المذكور الّذي رواه ابن سعد وغيره فكفّر النبي ﷺ عن يمينه وامسك عن الّذي أراد وصبر يعنى لما نزلت لهذه الآيات- وروى ابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس نحو ما روى عن ابى هريرة رضى الله عنهم فى شأن نزول الاية- وقد ذكرنا فى صدر السورة رواية ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء فى نزول الاية نحوه- وروى الترمذي وحسنه وعبد الله بن الامام احمد فى زوائد المسند والنسائي وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والضياء فى صحيحيهما عن أبيّ بن كعب رضى الله عنه قال لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار اربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم- فقالت الأنصار لان أصبنا منهم يوما مثل هذا لنرثينّ عليهم- فلما كان فتح مكة انزل الله تعالى وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ «٢» خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فقال رسول الله ﷺ نصبر ولا نعاقب كفوا عن القوم الا اربعة- وقال البغوي نزلت الاية فى شهداء أحد وذلك ان المسلمين لما راوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتّى لم يبق أحد من قتلى المسلمين الأمثل به- غير حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة فان أباه أبا عامر الراهب (قلت الّذي سماه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق) كان مع ابى سفيان فتركوا حنظلة لذلك- فقال المسلمون حين راوا ذلك لان أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم ولنمثلنّ بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد- فوقف رسول الله ﷺ على عمه حمزة وقد جدعوا انفه واذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه- وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم اشترطتها لتأكلها فلم تلبث فى بطنها حتّى رمت بها- فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال اما انها لو اكلتها لم تدخل النار ابدا- حمزة أكرم على الله من ان يدخل شيئا من جسده النار- فلما نظر رسول الله ﷺ الى عمه حمزة نظر الى شيء لم ينظر الى شيء
(٢) وفى الأصل فهو-
قط كان أوجع لقلبه منه فقال ﷺ رحمة الله عليك أبا السائب فانك ما علمت ما كنت الا فعالا للخيرات وصولا للرحم ولولا حزن من بعدك عليك لسرّنى ان أدعك حتّى تحشر من أفواج شتى- اما والله لان ظفرنى الله بهم لامثلن منهم بسبعين مكانك فانزل الله تعالى هذه الآيات فقال ﷺ بل نصبر وامسك عما أراد وكفّر عن يمينه- (فائدة) حديث أبيّ بن كعب يدل على تأخر نزول الآيات الى الفتح وفى حديث ابى هريرة وابن عباس وعطاء بن يسار رضى الله عنهم نزولها بأحد- وجمع ابن الحصار بانها نزلت اولا بمكة ثم ثانيا بأحد ثم ثالثا بعد الفتح تذكيرا من الله لعباده- قال البغوي قال ابن عباس والضحاك رضى الله عنهم كان حكم هذه الاية قبل نزول براءة حين امر النبي ﷺ بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال فلما أعز الله الإسلام واهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد نسخت هذه الاية- وقال النخعي والثوري والسدى ومجاهد وابن سيرين رحمهم الله الاية محكمة نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له ان ينال من ظالمه اكثر مما نال الظالم منه امر بالجزاء او العفو ومنع من الاعتداء مسئلة المثلة لا يجوز اجماعا روى ابن إسحاق عن سمرة بن جندب رضى الله عنه قال ما قام رسول الله ﷺ فى مقام قط ففارقه حتّى امر بالصدقة ونهى عن المثلة- وقد روى فى النهى عن المثلة أحاديث كثيرة والله اعلم- تم تفسير سورة النحل من التفسير المظهرى (ويتلوه ان شاء الله تعالى تفسير سورة بنى إسرائيل) ثانى رجب من السنة الثانية بعد المائتين والف (سنة ١٢٠٢) من الهجرة والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله واله وأصحابه أجمعين- تمت.
صفحة رقم 393
فهرس سورة بنى إسرائيل من التّفسير المظهرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مضمون صفحه ما ورد فى الاسراء من المسجد الحرام او من بيت أم هانى- ٢٩٨ ما ورد فى الاسراء فى المنام- ٤٠٠ قصة انكار قريش ونعته ﷺ المسجد الأقصى- ٤٠٢ قصة إفساد بنى إسرائيل فى الأرض بالمعاصي ٤٠٤ وقتل شعيا وزكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم السلام ٤٠٤ وانتقامه تعالى منهم بان سلط عليهم بخت نصر وغيره- ٤١١ ما ورد فى إعطاء صحف الأعمال من تحت العرش بالايمان والشمائل- ٤٢١ مسئلة هل يثبت وجوب الشرائع قبل بعثة الأنبياء بالعقل قيل لا وجوب أصلا وقيل يجب التوحيد دون الأعمال- ٤٢١ حديث بعث النار من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين- ٤٢٢ ما ورد فى ان اهل الفترة ومن لم يبلغه دعوة الرسل يمتحنون فى الاخرة وتحقيق ذلك- ٤٢٢ فصل فى اقوال العلماء فى أطفال المشركين وما ورد من الأحاديث فيهم والإجماع على ان ذرارى المؤمنين فى الجنة والتحقيق فى هذا المقام- ٤٢٤ ما ورد فى حقوق الوالدين- ٤٣٠ فى إيتاء ذوى القربى- ٤٣٣ ما ورد فى التبذير والإمساك والافراط فى الانفاق- ٤٣٤ فى النهى عن قتل الأولاد- ٤٣٦ فى النهى عن الزنى- ٤٣٦ فصل فيما ورد فى القتل بغير حق- ٤٣٧ فى النهى عن اتباع ما لا علم له به وفى العمل بالادلة الظّنّيّة- ٤٣٩ ما ورد فى التواضع والنهى عن التفاخر والبغي والتكبر- ٤٤١ البحث فى تسبيح الجمادات وغيرها- ٤٤٣
مضمون صفحه ما ورد فى بعث المؤمنين من القبور حامدين وبعث الكفار قائلين يا حسرتى ونحو ذلك- ٤٤٧ حديث أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب الحديث- ٤٥١ بحث افضلية البشر على الملائكة- ٤٥٩ حديث تفضل صلوة الجمع على صلوة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا- ٤٦٦ ويجتمع ملائكة الليل والنهار فى صلوة الفجر- الأحاديث الواردة فى قيام الليل فى رمضان وغيره قبل ان ينام- ٤٦٦ مسئلة التهجد اخر الليل أفضل واكثر ثوابا منها أول الليل- ٤٦٧ مسئلة هل كانت التهجد فريضة على النبي ﷺ او نافلة ٤٦٧ والمختار انها كانت له نافلة وما يدل على ذلك- ٤٦٨ مسئلة التهجد من السنن المؤكدة- ٤٦٨ فصل كيف كان قيام رسول الله ﷺ حين يتهجد من الليل- ٤٦٨ ما ورد فى المقام المحمود والصحيح انه مقام للشفاعة ٤٧١ الأحاديث الواردة فى الشفاعة الكبرى- ٤٧١ شفاعة الاراحة من كرب الموقف ٤٧١ يكون للنبى ﷺ ثلاث شفاعات- ٤٧٥ مسئلة قالت الخوارج والمعتزلة لا شفاعة لاهل الكبائر وانهم مخلدون فى النار وقد بلغت الأحاديث فى ثبوت الشفاعة لهم الى حد التواتر- من أنكر الشفاعة فلا نصيب له فيها- ٤٧٧ فصل فى شفاعة غير نبينا ﷺ من الأنبياء وغيرهم- ٤٨٠ قال المجدد رضى الله عنه لصلوة التهجد مدخلا عظيما فى مقام الشفاعة- ٤٨١ ما ورد فى اقتضاء الاستعدادات وتحقيق معنى الاستعداد- ٤٨٤ ما ورد فى رفع القران من المصاحف والصدور قبل يوم القيامة وما ورد فى قبض العلم بقبض العلماء او بذهاب توفيق العمل بالعلم- ٤٨٨ يحشر الكفار يوم القيامة يمشون على وجوههم او يسحبون عليها- ٤٩٤
صفحة رقم 395
مضمون صفحه ما ورد فى حشر الكفار عميا وبكما وصمّا- ٤٩٤ وما ورد بخلاف ذلك ووجه التطبيق بينهما- ٤٩٤ بيان تسع بينات اوتى موسى ٤٩٦ استحباب البكاء من خشية الله ٥٠٠ ما ورد فى عين بكت من خشية الله وعين سهرت فى سبيل الله- ٥٠٠ قوله ﷺ لابى بكر ارفع صوتك قليلا فى القراءة فى صلوة الليل ولعمر اخفض قليلا- ٥٠٣ كيف كان قراءة رسول الله ﷺ يعنى فى الصلاة بالليل- ٥٠٣ حديث اية العز الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الاية- ٥٠٤ ما ورد فى فضل التحميد والتهليل والتسبيح والتكبير- ٥٠٤ حديث كان إذا افصح الولد من بنى عبد المطلب كان رسول الله ﷺ يعلمه قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الاية- ٥٠٤ تمت ٢٤ رمضان سنة ١٢٠٢ هـ.
صفحة رقم 396التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي