قوله تعالى : بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون
فيه ثلاث مسائل :
المسألة الثالثة والخمسون : في حكم المسح في سفر المعصية.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أنه يجوز للمسافر المسح على الخفين وما في معناهما، سواء كان في سفر طاعة أم سفر معصية أو ما ليس طاعة ولا معصية ؛ إذ لا دليل على التفريق في ذلك مطلقا.
قال ابن حزم : والرجال والنساء في كل ما ذكرنا ( يعني المسح على الخفين وما معناهما، ومدة المسح عليها } سواء، وسفر الطاعة والمعصية في كل ذلك سواء، وكذلك ما ليس طاعة ولا معصية.
برهان ذلك عموم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه، ولو أراد عليه السلام تخصيص سفر من سفر، ومعصية من طاعة، لما عجز عن ذلك، وواهب الرزق والصحة وعلو اليد للعاصي، والمرجو للمغفرة له، يتصدق عليه من فسح الدين بما شاء.
وقولنا هو قول أبي حنيفة.
ولا معنى لتفريق من فرق في ذلك بين سفر الطاعة وسفر المعصية، لا من طريق الخبر ولا من طريق النظر.
أما الخبر فالله تعالى يقول : لتبين للناس ما نزل إليهم فلو كان ههنا فرق لما أهمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كلفنا علم ما لم يخبرنا به، ولا ألزمنا العمل بما لم يعرفنا به، هذا أمر قد أمناه.
وأما من طريق النظر، فإن المقيم قد تكون إقامته إقامة معصية وظلم للمسلمين، وعدوانا على الإسلام أشد من سفر المعصية، وقد يطيع المسافر في المعصية في بعض أعماله، أولها الوضوء الذي يكون فيه المسح المذكور الذي منعوه منه، فمنعوه من المسح الذي هو طاعة، وأمروه بالغسل الذي هو طاعة أيضا، وهذا فساد من القول جدا، وأطلقوا المسح للمقيم العاصي في إقامته.
فإن قالوا : المسح رخصة ورحمة.
قلنا : ما حجر على الله الترخيص للعاصي في بعض أعمال طاعته، ولا رحمة الله تعالى له، إلا جاهل بالله تعالى، قائل بما لا علم له به، وكل سفر تقصر فيه الصلاة فيمسح فيه مسح سفر، وما لا قصر فيه فهو حضر وإقامة، ولا يمسح فيه إلا مسح المقيم. ١ اه
المسألة الرابعة والخمسون : في المسح على العمامة والخمار، هل يشترط فيهما لبسهما على الطهارة كالخفين أم لا ؟
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى جواز المسح على العمامة والخمار، سواء كان لبسهما على طهارة أو غير طهارة، وأن النص إنما ورد في اللباس على الطهارة في الخفين، ولو كان ذلك واجبا في العمامة والخمار لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بين في الخفين.
قال ابن حزم : وسواء لبس ما ذكرنا ( أي كل ما لبس على الرأس من عمامة أو خمار ونحوهما ) على طهارة أو غير طهارة.
قال أبو ثور : لا يمسح على العمامة والخمار إلا من لبسهما على طهارة، قياسا على الخفين، وقال أصحابنا كما قلنا.
القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار والمسح على الخفين، وإنما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار.
قال الله تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم ٢ وما كان ربك نسيا ٣ فلو وجب هذا في العمامة والخمار، لبينه عليه الصلاة والسلام كما بين ذلك في الخفين، ومدعي المساواة في ذلك بين العمامة والخمار وبين الخفين مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك. فيقال له : من أين وجب – إذ نص عليه الصلاة والسلام في المسح على الخفين أنه لبسهما على طهارة – أن يجب هذا الحكم في العمامة والخمار، ولا سبيل له إليه أصلا بأكثر من قضية من رأيه، وهذا لا معنى له، قال الله تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ٤ اه٥
المسألة الخامسة والخمسون : في القول إن في شيء من الإسلام باطنا غير الظاهر الذي يعرفه الأحمر والأسود.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن من قال هذا فهو كافر يقتل ولا بد ؛ لأنه مكذب بالقرآن في شهادته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه بين للناس ما أنزل الله إليهم.
قال ابن حزم : ومن قال : إن في شيء من الإسلام باطنا غير الظاهر الذي يعرفه الأسود والأحمر، فهو كافر يقتل ولا بد ؛ لقول الله تعالى : أنما على رسولنا البلاغ المبين ٦ وقال تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم ٧
فمن خالف هذا فقد كذب بالقرآن. ٨ اه
٢ النحل (٤٤)..
٣ مريم (٦٤)..
٤ البقرة (١١١)، والنمل (٦٤)..
٥ انظر: المحلى (٢/٤٤)..
٦ المائدة (٩٢)..
٧ النحل (٤٤)..
٨ المحلى (٧/٢٣٢)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري