تفسير المفردات : والبينة : هي المعجزات الدالة على صدق الرسول. والزبر : واحدها زبور، وهي كتب الشرائع والتكاليف التي يبلغها الرسل إلى العباد. والذكر : القرآن. لتبين للناس : أي لتوضح لهم ما خفي عليهم من أسرار التشريع.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر جلت قدرته ما قاله المشركون من أنهم لا حاجة بهم إلى الأنبياء، لأن الحاجة إليهم إنما تدعو لو كانت هناك حياة أخرى يحاسبون فيها، وهم لا يصدقون بها، وليس من المعقول أن تكون – أردف ذلك بشبهة أخرى لهم إذ قالوا : هب الله أرسل رسولا فليس من الجائز أن يكون بشرا فالله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، فلو بعث إلينا رسولا لبعثه ملكا، ثم أجاب عن هذه الشبهة بأن سنة الله أن يبعث رسله من البشر، وإن كنتم في شك من ذلك فاسألوا أهل الكتاب عن ذلك، ثم هددهم أن يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون، أو يأتيهم بعذاب من السماء فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط، أو يأخذهم وهم يتقلبون في أسفارهم ومعايشهم، أو يأخذهم طائفة بعد أخرى، ثم أعقب هذا بما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي على أتم نظام وأحكم تقدير.
بالبينات والزبر تقول العرب زبرت الكتاب : أي كتبته كما قال تعالى وكل شيء فعلوه في الزبر [ القمر : ٥٢ ] أي وما أرسلنا رسلا إلا رجالا بالأدلة والحجج التي تشهد لهم بصدق نبوتهم، والكتب التي تشمل التكاليف والشرائع التي يبلغونها من الله إلى العباد.
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم أي وأنزلنا إليك القرآن تذكيرا وعظة للناس، لتعرفهم ما أنزل إليهم من الأحكام والشرائع وأحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب جزاء عنادهم مع أنبيائهم، وتبين لهم ما أشكل عليهم من الأحكام وتفصل لهم ما أجمل بحسب مراتبهم في الاستعداد والفهم لأسرار التشريع.
ولعلهم يتفكرون أو وتوقعا منك، وانتظارا لتفكرهم في هاتيك الأسرار والعبر، وإبعادا لهم عن سلوك سبيل الغابرين من المكذبين حتى لا يصيبهم مثل ما أصابهم، ثم حذرهم وخوّفهم مغبّة ما هم فيه من العصيان والكفر فقال :
تفسير المراغي
المراغي