و بالبينات والزبر يتعلق ب أرسلنا ، فيكون داخلاً في حكم الاستثناء مع رجالاً ، وأنكر الفراء ذلك، وقال : إن صفة ما قبل «إلاّ » لا تتأخر إلا ما بعدها، لأن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل :«إلاّ » مع صلته، كما لو قيل [ ما ] أرسلنا إلاّ رجالاً بالبينات، فلما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه، امتنع إدخال الاستثناء عليه. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلاّ رجالاً. وقيل : يتعلق بمحذوف دلّ عليه المذكور، أي : أرسلناهم بالبينات والزبر، ويكون جواباً عن سؤال مقدّر كأنه قيل : لماذا أرسلهم ؟ فقال : أرسلناهم بالبينات والزبر. وقيل : متعلق ب تعلمون على أنه مفعوله. والباء زائدة، أي : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ؛ وقيل : متعلق ب رجالاً أي : رجالاً متلبسين بالبينات والزبر. وقيل : ب نوحي أي : نوحي إليهم بالبينات والزبر. وقيل : منصوب بتقدير أعني، والباء زائدة، وأهل الذكر هم أهل الكتاب كما تقدّم. وقال الزجاج : اسألوا كل من يذكر بعلم، والبينات : الحجج والبراهين، والزبر : الكتب. وقد تقدّم الكلام على هذا في «آل عمران » وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر أي القرآن. ثم بين الغاية المطلوبة من الإنزال، فقال : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ جميعاً مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ في هذا الذكر من الأحكام الشرعية، والوعد والوعيد وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي : إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ). وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : فاسألوا أَهْلَ الذكر الآية، يعني : مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : بالبينات قال : الآيات والزبر قال : الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُوا السيئات قال : نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال : تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ قال : في اختلافهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه فِي تَقَلُّبِهِمْ قال : إن شئت أخذته في سفره أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ يقول : على أثر موت صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً على تَخَوُّفٍ قال : تنقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ فقالوا : ما نرى إلاّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات. فقال : عمر ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً، فقال يا فلان : ما فعل ربك ؟ قال : قد تخيفته، يعني انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال : قد رأيته ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ قال : يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : يتفيؤا قال : يتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله : وَهُمْ داخرون قال : صاغرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ الآية قال : لم يدع شيئاً من خلقه إلاّ عبده له طائعاً أو كارهاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية، قال : يسجد من في السماوات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني