تمهيد :
تناقش الآيات شبهة أخرى من شبه المشركين، حيث قالوا : لو أن الله أرسل رسولا ؛ لبعثه ملكا، لا رجلا من سائر الناس، فبين القرآن : أن سنة الله في إرسال الرسل، أن يكونوا رجالا من سائر الناس ؛ لتتحقق القدوة والأسوة، وأهل التوراة والإنجيل يعرفون ذلك، ثم هددهم القرآن بألوان العذاب، ومنها : خسف الأرض كما فعل بقارون، أو يأتيهم بغتة فجأة، أو يأخذهم وهم يتقلبون في أسفارهم ومعايشهم، أو يأخذهم طائفة بعد أخرى، ثم عقب ذلك بلفت أنظارهم، إلى كمال قدرته، وبديع خلقه، وأن هذا الكون بجميع ما فيه، خاضع لقدرة الله، يسبح بحمد الله، ويسير وفق مشيئته وأمره سبحانه وتعالى.
بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون .
أي : أرسلنا الرسل رجالا من البشر، وقد أرسلناهم بالبينات والزبر، أي : بالمعجزات والكتب التي تحمل الشرائع والعبادات والمعاملات.
والزبر : جمع زبور بمعنى : مزبور أي : مكتوب، يقال : زبرت الكتاب : من باب نصر وضرب، أي : كتبته كتابة عظيمة.
قال الفخر الرازي :
بالبينات والزبر . لفظة جامعة لكل ما تتكامل به الرسالة ؛ لأن مدار أمرها على المعجزات، الدالة على صدق من يدّعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر. اه.
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون . أي : أنزلنا القرآن الكريم عليك يا محمد، وهو ذكر وشرف وبيان لك ولقومك، وقد اشتمل القرآن الكريم على الأمور الكلية، فهو أصل الشريعة وكليّ أمورها، وفيه إجمال لأمهات الفضائل وأصول التشريع، والنبي صلى الله عليه وسلم : شارح للقرآن ومبين له، ومفصل لمجمله، وموضح لمبهمه. قال صلى الله عليه وسلم :( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه... )٣٢.
جاء في تفسير ابن عطية ما يأتي :
وقوله : لتبين . يحتمل أن يريد : لتبين بسردك نص القرآن ما نزل، ويحتمل أن يريد : لتبين بتفسيرك المجمل، وبشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما تبينه السنة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد٣٣.
ولعلهم يتفكرون . أي : أنزل الله القرآن الكريم، والذكر الحكيم، على النبي الأمين ؛ ليشرح للعباد أمور دينهم، ويبين لهم ما في كتاب الله تعالى، ويوضح لهم أهدافه ومراميه ؛ حتى يثير في الناس أسباب التأمل، والتفكر في آيات القرآن الكريم والاتعاظ بها والعمل بمقتضاها، قال تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب . ( ص : ٢٩ ).
وفي كتب علوم الحديث، نجد بيانا مستفيضا لمنزلة الحديث الشريف ؛ فهو الأصل الثاني من أصول التشريع، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس هذا الكتاب وشارح له، والكتاب لا يستغني عن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وشرحه، فقد كان عليه الصلاة والسلام قرآنا متحركا، يجسد الوحي، ويشرحه بالقول والعمل والإقرار.
سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت :" كان خلقه القرآن " ٣٤.
وهذه الآية توضح منزلة السنة، فهي ضرورية لشرح القرآن، وتفصيل أحكامه، قال تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون .
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة