ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

قلت : بالبينات : يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية، على التقديم والتأخير، أي : وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، فاسألوا أهل الذكر، أو بأرسلنا ؛ مضمرًا، وكأنه جواب سائل قال : بم أُرسلوا به ؟ فقال : بالبينات، أو : صفة لرجال، أي : رجالاً ملتبسين بالبينات، أو : بيوحى. انظر البيضاوي.
ثم قال تعالى : بالبينات والزُّبر أي : أرسلناهم بالمعجزات والكتب. وأنزلنا إليك الذكر أي : القرآن ؛ لأنه تذكير ووعظ، لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم من الأحكام، مما أمروا به ونهوا عنه، ومما تشابه عليهم منه. والتبيين أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه، كالقياس ودليل العقل. قاله البيضاوي. قال ابن جزي : يحتمل أن يريد : لتبين القرآن بسردك نَصَّهُ وتعليمِهِ، أو لتُبين معانيه بتفسير مُشكله، فيدخل في هذا ما سنته السنة من الشريعة. ه. ولعلهم يتفكرون في عجائبه وأسراره، فيخوضون بسفن أفكارهم في تيار بحر معانيه وأنواره، فينتبهون للحقائق والشرائع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالاً من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالاً من البشر أحياء، يُربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء ؛ لقلة عقلهن، ولا الجن ؛ لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت ؛ لعدم وجود بشريته ؛ فإنَّ بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية.
فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا : الثدي الميتة لا تُرضع. وقولنا :" التربية العرفية " ؛ أعني : بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفًا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلاً كاملاً.
وقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر ؛ هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب ؛ كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم ؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشًا لهفانًا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم ؛ لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر.
وقوله تعالى : إن كنتم لا تعلمون ؛ يُفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرًا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالاً، وأصوب مقالاً. والله تعالى أعلم.



الإشارة : كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالاً من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالاً من البشر أحياء، يُربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء ؛ لقلة عقلهن، ولا الجن ؛ لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت ؛ لعدم وجود بشريته ؛ فإنَّ بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية.
فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا : الثدي الميتة لا تُرضع. وقولنا :" التربية العرفية " ؛ أعني : بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفًا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلاً كاملاً.
وقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر ؛ هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب ؛ كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم ؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشًا لهفانًا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم ؛ لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر.
وقوله تعالى : إن كنتم لا تعلمون ؛ يُفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرًا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالاً، وأصوب مقالاً. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير