الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : يَخْرُجُ من بُطُونِهَا شَرَابٌ : يَعْنِي : الْعَسَلَ، عَدَّدَهَا اللَّهُ فِي نِعَمِهِ، وَذَكَرَ شَرَابَهُ مُمْتَنًّا بِهِ، وَسَمَّاهُ شَرَابًا وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا ؛ لِأَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْأَشْرِبَةِ أَكْثَرَ من تَصْرِيفِهِ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ، وَذَلِكَ بِالشَّرَابِيَّةِ أَخَصُّ كَمَا أَنَّ الْجَامِدَ أَخَصُّ بِالطَّعَامِيَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ : يُرِيدُ أَنْوَاعَهُ من الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ، وَالْجَامِدِ وَالسَّائِلِ ؛ وَالْأُمُّ وَاحِدَةٌ، وَالْأَوْلَادُ مُخْتَلِفُونَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوَّعَتْهُ بِحَسَبِ تَنْوِيعِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ عَلَى صِفَتِهِ، وَلَا يَجِيءُ إلَّا من جِنْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ بَعْضُ التَّأْثِيرِ فِيهِ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ ؛ وَيُغَيِّرُهُ اللَّهُ، لِتَتَبَيَّنَ قُدْرَتُهُ فِي التَّصْرِيفِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ : وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ :( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ ). وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ من أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةِ نَارٍ ). وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ ( رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ : فَعَلْت، فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إلَّا اسْتِطْلَاقًا. فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك، اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ فَبَرِئَ ). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْكُو قُرْحَةً وَلَا شَيْئًا إلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا حَتَّى الدُّمَّلَ إذَا خَرَجَ عَلَيْهِ طَلَاهُ بِعَسَلٍ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ .
وَرُوِيَ أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ مَرِضَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نُعَالِجُك، قَالَ : ائْتُونِي بِمَاءِ سَمَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهُ يَقُولُ : وَنَزَّلْنَا من السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ، وَأْتُونِي بِعَسَلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ . وَأْتُونِي بِزَيْتٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ، فَجَاءُوهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَخَلَطَهُ جَمِيعًا ثُمَّ شَرِبَهُ فَبَرِئَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ : إنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ :" فِيهِ " يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ : الْقُرْآنُ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ. وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ، مَا أَرَاهُ يَصِحُّ عَنْهُمْ ؛ وَلَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحَّ عَقْلًا ؛ فَإِنَّ مَسَاقَ الْكَلَامِ كُلِّهِ لِلْعَسَلِ، لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْرٌ ؛ وَكَيْفَ يَرْجِعُ ضَمِيرٌ فِي كَلَامٍ إلَى مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كُلَّهُ مِنْهُ ؟ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى مَسَاقُ الْكَلَامِ وَمَنْحَى الْقَوْلِ، وَقَدْ حَسَمَ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ ذَا الْإِشْكَالِ، وَأَزَاحَ وَجْهَ الِاحْتِمَالِ حِينَ أَمَرَ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ بِشُرْبِ الْعَسَلِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْعَسَلَ لَمَّا سَقَاهُ إيَّاهُ مَا زَادَهُ إلَّا اسْتِطْلَاقًا، أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَوْدِ الشُّرْبِ لَهُ، وَقَالَ لَهُ :( صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك ).
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ : اُخْتُلِفَ فِي مَحْمَلِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا سُقْنَاهُ من رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَعَوْفٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ بِالتَّدْبِيرِ ؛ إذْ يُخْلَطُ الْخَلُّ بِالْعَسَلِ وَيَطْبُخُ، فَيَأْتِي شَرَابًا يَنْفَعُ فِي كُلِّ حَالَةٍ من كُلِّ دَاءٍ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى مَدْحِ عُمُومِ مَنْفَعَةِ السَّكَنْجَبِينِ فِي كُلِّ مَرَضٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ لَفْظٍ عَامٍّ حُمِلَ عَلَى مَقْصِدٍ خَاصٍّ ؛ فَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ، وَلُغَةُ الْعَرَبِ يَأْتِي فِيهَا الْعَامُّ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ بِمَعْنَى الْعَامِّ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ :
* أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا *
وَالْمُرَادُ كُلُّ النُّفُوسِ ؛ إذْ لَا تَخْلُو نَفْسٌ من ارْتِبَاطِ الْحِمَامِ لَهَا. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى نِيَّةِ كُلِّ أَحَدٍ، فَمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ، وَصَحَّ يَقِينُهُ فَفَعَلَ فِعْلَ عَوْفٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَدَهُ كَذَلِكَ، وَمَنْ ضَعُفَتْ نِيَّتُهُ وَغَلَبَتْهُ عَلَى الدِّينِ عَادَتُهُ، أَخَذَهُ مَفْهُومًا عَلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ، وَالْكُلُّ من حُكْمِ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَسَلَ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا مُقْتَاتًا، وَلَكِنَّهُ كَمَا رُوِيَ فِي ذِكْرِ النَّحْلِ ذُبَابُ غَيْثٍ، وَكَمَا جَاءَ فِي الْعَنْبَرِ أَنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ، فَأَحَدُهُمَا يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، وَالْآخَرُ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ، وَكِلَاهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ الزَّكَاةَ بِمَا خَصَّهَا من الْأَمْوَالِ الْمُقْتَاتَةِ، وَالْأَعْيَانِ النَّامِيَةِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا، فَلْيُقَفْ عِنْدَهَا. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ كِتَابٌ من عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَبِي، وَهُوَ بِمِنًى، أَلَّا يَأْخُذَ من الْعَسَلِ وَلَا من الْخَيْلِ صَدَقَةً. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْعَسَلَ طَعَامٌ يَخْرُجُ من حَيَوَانٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَاللَّبَنِ، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ عَيْنٌ زَكَاتِيَّةٌ، وَقَدْ قَضَى حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ، وَحَازَ الِاسْتِيفَاءَ لِمَنَافِعِهَا، بِخِلَافِ الْعَسَلِ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي أَصْلِهِ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِاللَّبَنِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعَسَلِ، مُحْتَجًّا بِمَا رُوِيَ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ من الْعَسَلِ الْعُشْرَ ). وَالْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي ذُبَابٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ :( قَدِمْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اجْعَلْ لِقَوْمِي مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ من أَمْوَالِهِمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَيْهِمْ }، ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ : فَكَلَّمْت قَوْمِي فِي الْعَسَلِ، فَقُلْت لَهُمْ : زَكُّوهُ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكَّى. قَالُوا : كَمْ ؟ فَقُلْت : الْعُشْرُ. فَأَخَذْت مِنْهُمْ الْعُشْرَ، فَأَتَيْت عُمَرَ فَأَخْبَرْته، فَقَبَضَهُ، وَبَاعَهُ، وَجَعَلَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَانَ بِطَوَاعِيَتِهِمْ صَدَقَةً نَافِلَةً، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي فَرْضِ أَصْلِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِيهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أحكام القرآن
ابن العربي