تفسير المفردات : والسبل : الطرق، واحدها سبيل. والذلل : واحدها ذلول : أي : منقادة طائعة. والشراب : العسل، مختلف ألوانه : من أبيض إلى أصفر إلى أسود بحسب اختلاف المرعى.
المعنى الجملي : بعد أن وعد المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وأوعد الكافرين بنار تلظى، جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الإشراك بربهم، ونسبة البنات إليه، وافترائهم عليه ما لم ينزل به سلطانا، عاد إلى ذكر دلائل التوحيد، من قبل أنه قطب الرحى في الدين الإسلامي، وكل دين سماوي، ويليه إثبات النبوات والبعث والجزاء، فبين أنه أنزل المطر من السماء لتحيا به الأرض بعد موتها، وثنّى بإخراج اللبن من الأنعام، وثلث باتخاذ الخمر والخل والدّبس من الأعناب والنخيل، وربع بإخراج العسل من النحل وفيه شفاء للناس، وقد بين أثناء ذلك، كيف ألهم النحل بناء البيوت، والبحث عن أرزاقها من كل فجّ.
الإيضاح : ثم كلي من كل الثمرات ، أي : ثم كلي أيتها النحل من كل ثمرة تشتهيها، حلوة أو مرة، أو بين ذلك.
فاسلكي سبل ربك ذللا ، أي : فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها، وتدخلي فيها لطلب الثمار، ولا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضلي عن العودة منها وإن بعدت.
وبعد أن خاطب النحل، أخبر الناس بفوائدها ؛ لأن النعمة لأجلهم فقال :
يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ، أي : يخرج من بطونها عسل مختلف الألوان، فتارة يكون أبيض، وأخرى أصفر، وحينا أحمر، بحسب اختلاف المرعى.
فيه شفاء للناس ، لأنه نافع لكثير من الأمراض، وكثيرا ما يدخل في تركيب العقاقير والأدوية. روى البخاري، ومسلم، عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسقه عسلا "، فسقاه عسلا، ثم جاء فقال : يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال :" اذهب فاسقه عسلا "، فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال : يا رسول الله ما زاده ذلك إلا استطلاقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا ". فذهب فسقاه عسلا، فبرئ.
وعلل هذا بعض الأطباء الماضين قال : كان لدى هذا الرجل فضلات في المعدة، فلما سقاه عسلا تحللت فأسرعت إلى الخروج فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو فائدة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، وكلما سقاه حدث مثل هذا، حتى اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، فاستمسك بطنه، وصلح مزاجه، وزالت الآلام والأسقام بإرشاده عليه السلام.
وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي ".
وقد أثبت الطب الحديث ما للعسل من فوائد، أدع الكلام فيها ليتولى شرحها النطاسي الكبير المرحوم عبد العزيز إسماعيل باشا، قال في كتابه :" الإسلام والطب الحديث ". ما أصدق الآية الكريمة ! : فيه شفاء للناس ، إن التركيب الكيماوي للعسل كما يلي :
من ٢٥- ٤٠% دكستروز( جلوكوز ).
٣٠- ٤٥% ليفيلوز.
١٥- ٢٥% ماء.
والجلوكوز الموجود فيه بنسبة أكثر من أي غذاء آخر، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب، فيعطى بالفم وبالحقن الشرجية، وتحت الجلد وفي الوريد، ويعطى بصفته مقويا ومغذيا، وضد التسمم الناشئ من مواد خارجية كالزرنيخ والزئبق والذهب والكلوفرم والمورفين الخ، وضد التسمم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم، مثل التسمم البولي والناشئ من أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية والمعوية، وضد التسمم في الحميات : مثل التيفويد، والالتهاب الرئوي، والسحائي المخي، والحصبة، وفي حالات ضعف القلب، وحالات الذبحة الصدرية، وبصفة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلى الحادة، وفي احتقان المخ، وفي الأورام المخية الخ.
وقد يقال : وما أهمية هذه الآية مع أن كل أنواع الغذاء لها فوائد، وقد ذكر العسل ؛ لأنه غذاء لذيذ الطعم وبطريق المصادفة.
فالحقيقة هي : أن أنواع الغذاء الأخرى لا تستعمل كعلاج إلا فيما ندر من الأمراض ناشئة عن نقصها في الغذاء فقط، وهذه الفواكه التي تشبه العسل في الطعم، فإن السكر الذي فيها هو سكر القصب أو أنواع أخرى، وليس فيها إلا نسبة ضئيلة من الجلوكوز ، الذي هو أهم عناصر العسل.
وإذا علمنا أن الجلوكوز يستعمل مع الأنسولين حتى في حالة التسمم الناشئ عن مرض البول السكري – علمنا مقدار فوائده، وأن القرآن الكريم لم يذكره بطريق المصادفة، ولكنه تنزيل ممن خلق الإنسان والنحل، وعلم كلا منهما علاقته بالآخر اه.
كيف يتكون العسل ؟
تمتص الشغالة رحيق الأزهار، فينزل ويجتمع في كيس في بطنها، وهناك يمتزج بعصارة خاصة فيتحول إلى عسل، ولله در أبي العلاء إذ يقول :
والنحل يجني المر من زهر الربا فيعود شهدا في طريق رضابه
ثم تعود النحلة إلى الخلية فتفرز العسل من فمها، في البيوت الشمعية التي خصصت بتخزين العسل، وكلما امتلأ بيت منها غطاه بطبقة من الشمع، وانتقل إلى بيت آخر.
شمع النحل :
تفرز الشغالة صفحات رقيقة صلبة من الشمع، تخرجها من بين حلقات بطنها، ثم تمضغها بفيها حتى تلين، ويسهل تشكلها بحسب ما تريد، فتستعملها في بناء بيوتها السداسية الشكل.
فوائد النحل :
( ١ ) نأخذ منها العسل، الذي هو غذاء لذيذ الطعم، يحوي مقدارا كبيرا من المواد المفيدة للجسم.
( ٢ ) نأخذ منها الشمع الذي تصنع منه شموع الإضاءة.
( ٣ ) تساعد على تلقيح الأزهار ؛ فتكون سببا في زيادة الثمار وجودة نوعها.
إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ، أي : إن في إخراج الله من بطون النحل الشراب المختلف الألوان الذي فيه شفاء للناس – لدلالة واضحة على أن من سخر النحل، وهداها لأكل الثمرات التي تأكلها، واتخاذها البيوت في الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج، مما فيه شفاء للناس، هو الواحد القهار الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك، ولا تصح الألوهية إلا له.
تفسير المراغي
المراغي