النحل (١).
وقال ابن زيد في قوله: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ هو الكروم (٢)، ولا معنى للكروم هاهنا؛ لأنها لا تأوي الكُرُومَ، والمعنى ما قاله ابن عباس أن معنى يعرشون: يبنون لها من خلاياها، ويعرشون صحيح في البناء للكروم، ولكن المراد هاهنا في البناء للنحل لا الكَرْم.
قال أهل المعاني: لولا التسخير وإلهام الله تعالى ما كانت تأوي إلى ما يبني لها الناس من بيوتها (٣).
٦٩ - قوله تعالى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ قال ابن قتيبة: أي من الثمرات، وكل هاهنا لا يقع على العموم، كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣]، وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (٤) [الأحقاف: ٢٥].
وقوله تعالى: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ قال ابن عباس: يريد طُرقَ ربك (٥)، تطلب فيها الرعي، ذُلُلًا جمع ذَلُول، وهو المنقاد اللين
(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٣٩ بلفظه، ورد في "تقسير الثعلبي" ٢/ ١٥٩ ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٩، بلفظه، والطوسي (٦/ ٤٠٢) بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٩، و"تفسير ابن عطية" ٨/ ٤٦١، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٢.
(٣) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٦٥.
(٤) "الغريب" لابن قتيبة ص ٢٤٦، بنصه ولم يستشهد إلا بالآية الثانية.
(٥) ورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤١، وهود الهواري ٢/ ٣٧٦، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، و"القرطبي" ١٠/ ١٣٥، وأبي حيان ٥/ ٥١٢.
المُسَخَّر، يقال: فرس ذلول بَيِّن الذُّلِ (١).
قال مجاهد: لا يتوعَّرُ عليها مكان سلكته (٢)، فعلى هذا الذُّلُلُ من صفة السُّبُل، والنحل يرعى الأماكن البعيدة ذات الغِيَاضِ (٣)، الأشْبَهُ: لا تتوعر عليها لتذليل الله لها إياها، وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال في قولهه: سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا، أي: قد ذَلَّلَها الله لك وسَهَّلَ عليك مَسالِكَها (٤).
وقال قتادة: ذُلُلًا يعني مطيعة (٥)، وهو اختيار ابن قتيبة؛ لأنه قال: منقادة بالتَّسْخِير (٦)، وعلى هذا الذُّلُلُ من نعت النَّحل، وحكى الفراء القولين، فقال: ذُلُلًا نعتُ للسبيل، ويقال: نعت للنحل؛ أي ذُلِّلَت لأن يخرج الشراب من بطنها (٧).
(٢) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٤٩، بنصه، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٤٠ بنصه من طريقين، ورد في "تفسير هود الهواري" ٢/ ٣٧٧، بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٩، بنصه، والطوسي ٦/ ٤٠٤، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٩، وابن عطية ٨/ ٤٦٢، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٦، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٣٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) جمع غَيْضَة: وهي الأجمة؛ وهي مَغِيضُ ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. انظر: (غيض) في "الصحاح" ٣/ ١٠٩٧، و"اللسان" ٦/ ٣٣٢٧.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٠، بنصه.
(٥) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٣٥٧) بلفظه، والطبري ١٤/ ١٤٠ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٩ب، و"تفسير الماوردي" ٣/ ١٩٩، والطوسي ٦/ ٤٠٤، وانظر: "تفسير أبي حيان" ٥/ ٥١٢، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٣٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٦) "الغريب" لابن قتيبة ص ٢٤٦، بنصه.
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٩، بتصرف يسير، وكذلك النحاس ذكر القولين في =
وقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا رجوع من الخطاب إلى الخبر، شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ قال ابن عباس: منه أحمر وأبيض وأصفر (١).
قال أبو إسحاق: هي تأكل الحامضَ والمُرَّ وما لا يُوصفُ طعمُهُ فيحيل اللهُ ذلك عَسَلًا يخرج من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها؛ كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم (٢).
قوله تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أكثرُ المفسرين على أن الكناية تعود إلى قوله: شَرَابٌ، وهو العسل، وقالوا: إن في العسل شفاء للناس (٣)، فإن قيل: قد رأينا من يَضُرُّه العسل، فكيف يكون فيه شفاء للناس؟! أجاب عن هذا الزجاج، وقال: الماء حياة كل شيء، وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يُضَادُّه من علة في البدن (٤)، وهذا معنى قول السدي: فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه (٥).
(١) انظر: في "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٦٦، و"تنوير المقباس" ص ٢٨٨، وورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٤ ب، والسمرقندي ٢/ ٢٤١، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، والطوسي ٦/ ٤٠٤، والبغوي ٥/ ٢٩، و"ابن العربي" ٣/ ١١٥٧، والفخر الرازي ٢٠/ ٧٢، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٣٥، وابن كثير ٢/ ٦٣٤.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٠، بتصرف يسير.
(٣) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٤، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٨٥، والثعلبي ٢/ ١٥٩ب، و"تفسير الماوردي" ٣/ ٢٠٠، والطوسي ٦/ ٤٠٤، وانظر: "تفسير ابن عطية" ٨/ ٤٦٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٦، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٣٦.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١١، بنصه، لكنه في المصدر قال: (ما يصادف من علة).
(٥) ورد في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤٢، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٦٧.
وروي عن مجاهد: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ: أي في القرآن (١).
قال أبو [إسحاق] (٢) وهذا القول إذا فُسِّرَ عُلم أنه حَسَنٌ، المعنى فيما قصصنا عليكم من قصة النحل في القرآن وسائر القصص التي تدل على أن الله واحدٌ، شفاء للناس (٣)، وعلى هذا كون القرآن شفاء؛ أن فيه بيان الحلال والحرام، والدليل على وحدانية الله تعالى، ونفيًا لما يتخالج ويعترض من الشكوك، يدل على هذا قوله تعالى [في] (٤) وصفه القرآن: وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ [يونس: ٥٧].
(وقال ابن مسعود: العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور (٥)) (٦)، وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا (٧).
(٢) في (أ)، (ش)، (د) بياض مكان (إسحاق)، وفي (ع): (علي)، والصحيح المثبت؛ لوروده في "معاني القرآن وإعرابه" بنصه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١١، بنصه.
(٤) إضافة يقتضيها السياق.
(٥) ما بين التنصيص ساقط من: (أ)، (د).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/ ١٢٧) بنصه، والطبري ١٤/ ١٤١ بنصه، والثعلبي ٢/ ١٥٩ ب، بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤٢، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٩، والخازن ٣/ ١٢٤.
(٧) "معانى القرآن" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه، و"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١١، بنصه.
واختار قوم القول الأول؛ وقالوا: إنه أليق بظاهر الكتاب (١)، واحتجوا بما أخبرناه أبو إسحاق بن أبي منصور المقرئ (٢) أنا عبد الله بن حامد (٣)، أنا مكي بيت عبدان (٤)، أنا عبد الرحمن بن بشر (٥)، أنا يحيى بن سعيد (٦)، عن
(٢) هو الثعلبي، وقد تقدمت ترجمته ضمن شيوخه.
(٣) عبد الله بن حامد بن محمد، أبو محمد النيسابوري، الواعظ الفقيه الشافعي، ولد في نيسابور، وتفقه على أبي محمد علي البيهقي، سمع مكي بن عبدان، ورحل إلى أبي علي بن أبي هريرة، روى عنه أبو عبد الله الحاكم، توفي سنة (٣٨٩ هـ)، وعاش (٨٣) سنة انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي ٣/ ٣٠٦، و"تاريخ الإسلام للذهبي" ٢٧/ ١٨٢.
(٤) أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي النيسابوري، ثقة مأمون مقدم على أقرانه، سمع عبد الله بن هاشم ومحمد بن يحيى الذُّهلي، مات سنة (٣٠٥ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" ١٣/ ١١٩، و"سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٧٠، و"شذرات الذهب" ٢/ ٣٠٧.
(٥) عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، أبو محمد، محدث حافظ ثقة، روى عن سفيان بن عيينة، ويحمى بن سعيد، وعنه: البخاري ومسلم، مات سنة (٢٦٠ هـ). انظر: "الجرح والتعديل" ٥/ ٢١٥، و"سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٣٤٠، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٩٠.
(٦) يحيى بن سعيد بن أبَان بن سعيد بن العاص، إمام محدث ثقة، روى عن الأعمش وسفيان الثوري، وعنه: أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، مات سنة (١٩٤ هـ)
انظر: "الجرح والتعديل" ٩/ ١٥٠، و"سير أعلام النبلاء" ٩/ ١٣٩، و"تذكرة الحفاظ" ١/ ٣٢٥، و"تقريب التهذيب" ص ٥٩٠ (٧٥٥٤).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي