ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

ثم كلي من كل الثمرات ، اللام للجنس، أي : من كل ثمرة تشتهيها، وتتيسر لها، مرها وحلوها، وليس معنى الكل، الاستغراق. فاسلكي سبل ربك ، يعني : كوني سالكة في الطرق التي الهمك ربك، وأفهمك في عمل العسل، أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تضليني، أو فاسلكي، يعني : ادخلي ما أكلت في مسالك، التي يستحيل فيها بقدرته النور عسلا من أجوافك، ذللا ، جمع ذلول، حال من السبل، أي : مذللة، ذللها الله، وسهلها لك، أو حال من الضمير في اسلكي، يعني : اسلكي، أنت منقادة لأمر ربك، ويقال إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان، ولها يعسوب إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت. يخرج من بطونها ، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس ؛ لأنه محل الأنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه : انتفاعهم. شراب مختلف ألوانه ، أبيض، وأحمر، وأصفر، وأخضر. فيه ، أي : في ذلك الشراب، شفاء للناس ، وقال مجاهد " فيه "، أي : في القرآن الكريم شفاء، والظاهر هو : الأول، ولفظ الآية يشعر أن في العسل شفاء، ولو في الجملة، ولو في بعض الأمراض ؛ لكونها نكرة، وسياق الكلام يقتضي نوعا من التعميم، وإلا فما من شيء من الأشياء إلا وفيه شفاء لبعض الأمراض، حتى السموم : فإنها تستعمل في الأدوية، فيقال : التنوين للتعظيم، والمعنى : فيه شفاء عظيم للناس، يعني : في أكثر الأمراض، وأكثر الأوقات، ويؤيده حديث ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( عليكم بالشفائين : العسل والقرآن )١، رواه ابن ماجه، والحاكم بسند صحيح، فإن هذا الحديث يدل على كونه شفاء غالبا، وذكر البغوي قول ابن مسعود أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فكأنه فهم ابن مسعود من الحديث المرفوع التعميم، فقال البيضاوي : إن العسل شفاء، إما بنفسه، كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره، كما في سائر الأمراض ؛ إذ قل ما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، وما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اسقه عسلا )، فسقاه، ثم جاء فقال : إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( صدق الله وكذب بطن أخيك )، فسقاه فبرئ٢، يدل على كونه شفاء منفردا، فيقال أنه من شربه منفردا بحسن النية لأي مرض كان، شفاه الله تعالى إن شاء الله تعالى، كذا قال السيوطي. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق تدبر، علم قطعا أنه لا بد له من قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.

١ سورة النساء، الآية: ٤٣..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: دواء المبطون (٥٧١٦) وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: التداوي بسقي العسل (٢٢١٧)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير