ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

هذا الشوط الثالث في قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد، يبدأ فيقرر وحده الإله، ووحدة المالك، ووحدة المنعم في الآيات الثلاث الأولى متواليات، ويختم بمثلين يضربهما للسيد المالك الرازق، والعبد المملوك لا يقدر على شيء، ولا يملك شيئا.. هل يستوون ؟ فكيف يسوي الله المالك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق ؟ فيقال : هذا إله وهذا إله ؟ !.
وفي خلال الدرس يعرض نموذجا بشريا للناس حين يصيبهم الضر فيجأرون إلى الله وحده، حتى إذا كشف عنهم الضر راحوا يشركون به غيره !.
ويعرض كذلك صورا من أوهام الوثنية وخرافاتها. في تخصيص بعض ما رزقهم الله لآلهتهم المدعاة، في حين أنهم لا يردون شيئا مما يملكونه على عبيدهم ولا يقاسمونهم إياه ! وفي نسبة البنات إلى الله على حين يكرهون ولادة البنات لهم :( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) ! وفي الوقت الذي يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق بأن لهم الحسنى، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا ! وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم هي التي جاءهم الرسول [ ص ] ليبين لهم الحقيقة فيها هدى ورحمة للمؤمنين.
ثم يأخذ في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها : فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها. والله يسقي الناس - غير الماء - لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم. والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكرا ورزقا حسنا. والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس.. ثم الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجا لا يعلم شيئا. والله فضل بعضهم على بعض في الرزق. والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة... وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض ولا يقدرون على شيء. ويجعلون لله الأشباه والأمثال !.
هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم، يوجههم إليها لعلهم يستشعرون القدرة وهي تعمل في ذواتهم وفي أرزاقهم وفي طعامهم وفي شرابهم، وفي كل شيء حولهم.. ثم يختمها بالمثلين الواضحين الموضحين اللذين أشرنا إليهما آنفا. فهي حملة على الوجدان البشري والعقل البشري، ذات إيقاعات عميقة، تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب ألا تهتز لها وتتأثر وتستجيب.
ومن الأنعام والأشجار والثمار والنحل والعسل إلى لمسة أقرب إلى أعماق النفس البشرية، لأنها في صميم ذواتهم : في أعمارهم وأرزاقهم وأزواجهم وبنيهم وأحفادهم. فهم أشد حساسية بها، وأعمق تأثرا واستجابة لها :
( والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا، إن الله عليم قدير ).
( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء. أفبنعمة الله يجحدون )؟
( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ؟ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون ؟ )..
واللمسة الأولى في الحياة والوفاة، وهي متصلة بكل فرد وبكل نفس ؛ والحياة حبيبة، والتفكر في أمرها قد يرد القلب الصلد إلى شيء من اللين، وإلى شيء من الحساسية بيد الله ونعمته وقدرته. والخوف عليها قد يستجيش وجدان التقوى والحذر والالتجاء إلى واهب الحياة. وصورة الشيخوخة حين يرد الإنسان إلى أرذل العمر، فينسى ما كان قد تعلم، ويرتد إلى مثل الطفولة من العجز والنسيان والسذاجة. هذه الصورة قد ترد النفس إلى شيء من التأمل في أطوار الحياة، وقد تغض من كبرياء المرء واعتزازه بقوته وعلمه ومقدرته. ويجيء التعقيب :( إن الله عليم قدير )ليرد النفس إلى هذه الحقيقة الكبيرة. أن العلم الشامل الأزلي الدائم لله، وأن القدرة الكاملة التي لا تتأثر بالزمن هي قدرة الله. وأن علم الإنسان إلى حين، وقدرته إلى أجل، وهما بعد جزئيان ناقصان محدودان.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير