ﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ

تمهيد :
بعد أن ذكر سبحانه عجائب أحوال الحيوان، وما فيها من نعمة للإنسان، أردف ذلك ببيان أحوال الناس، فذكرت مراتب أعمارهم، فمنهم من يموت صغيرا، ومنهم من يعمر حتى يصل إلى أرذل العمر، ومنهم من يموت في مرحلة الشباب أو الكهولة، ثم ثنى بذكر أعمال أخرى لهم، وهي تفضيل بعضهم على بعض في الرزق، ثم ثلث بذكر نعمة ثالثة، وهي أن جعل لهم من أنفسهم أزواجا، وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة، ورزقهم المطعومات الطيبة من النبات، كالثمار والحبوب والأشربة، فمن الواجب شكر المنعم وعبادة الله وحده لا شريك له.
المفردات :
وحفدة : الحفدة : أولاد الأولاد، من الحفد وهو الخفة في العمل والخدمة، كما جاء في القنوت : وإليك نسعى ونحفد. روي عن ابن عباس أنه قال : الحفيد : ولد الابن والبنت، ذكرا كان أو أنثى، وقيل : المراد بهم : الأختان والأصهار، أي : أزواج البنات وأقارب الزوجة، وكلها أقوال متقاربة.
التفسير :
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات... .
خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وزوجه حواء، وجعل من نسل آدم وحواء ذرية كثيرة، وشاء الله أن تكون الزوجة من جنس الرجل ؛ ليحدث الأنس والمودة والرحمة، وقد جعل الله هذا الأنس والمودة والرحمة، آية من آيات الله، وبذلك يتنعم الزوجان ويذوقان عسيلة بعضهما، قال تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ( الروم : ٢١ ).
وقال صلى الله عليه وسلم :( حبّب إلي من دنياكم ثلاث : النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة )٤٩.
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا .
نلمح هنا المساواة بين الرجال والنساء، وقد كان بعض أهل الجاهلية يكره ولادة البنات، ويتوارى خجلا إذا رزق بالبنات، ويعتبر البنت مولودا غير مرغوب فيه ؛ فيمسكه على هون أو يدسه في التراب، فلما جاء الإسلام ؛ كرم إنسانية الإنسان.
ولقد كرمنا بني آدم ( الإسراء : ٧٠ )، وكرم المرأة وليدة، وناشئة، وزوجة، وأمّاً، فالمرأة من نفس الرجل، وهي شقيقة الرجل، وليست المرأة مخلوقا من الدرجة الثانية، قال تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ( النساء : ١ ).
وقال صلى الله عليه وسلم :( النساء شقائق الرجال )٥٠.
وقد جعل الله القوامة للرجل على زوجته، مقابل النفقة والولاية والمسئولية عن الأسرة، وهي ولاية مودة ورحمة وتعاطف، لا ولاية غلظة وتجبر.
قال تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم... ( النساء : ٣٤ ).
قال الشيخ أحمد المراغى في تفسير المراغى :
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة . أي : والله سبحانه جعل لكم أزواجا من جنسكم، تأنسون بهن، وتقوم بهن جميع مصالحكم، وعليهن تدبير معايشكم، وجعل لكم منهن بنين وحفدة أي : أولاد، وأولاد أولاد يكونون زهرة الحياة الدنيا وزينتها، وبهم التفاخر والتناصر والمساعدة لدى البأساء والضراء. اه.
ورزقكم من الطيبات .
يمتنّ الله علينا بالأرزاق المتعددة في المأكل والمشرب والمنكح، والهداية والملابس والمساكن، وسائر الطيبات التي ينتفع بها الإنسان إلى أقصى الحدود وأبعد الغايات.
أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون . أي : إن الله قد أنعم أهل مكة بالعديد من النعم، التي أنعم بها على سائر البشر، مثل : الأزواج، والأبناء، والأحفاد، والطيبات من الرزق، لكنهم يؤمنون بالأوثان والأنصاب، والشركاء والأنداد، التي لم تقدم لهم أي رزق، ويكفرون ويجحدون نعم الله المتعددة عليهم، فلا يقدمون له الشكر، ولا يعترفون له بالألوهية والوحدانية، وبأنه وحده الخالق الرازق، الذي لا شريك له، ، وقد استهل القرآن هذه الفقرة بالاستفهام الإنكاري : أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون . فيشركون به ويخالفون عن أمره، وهذه النعم كلها من عطائه، وهي آيات على ألوهيته، وهي واقعة في حياتهم، تلابسهم في كل آن.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير