ذنبه ما تقدم منه وما تأخر وكان أسير الله فى الأرض وشفيعا لاهل بيته يوم القيامة) - روى- ان رجلا قال للنبى عليه الصلاة والسلام أصابني فقر فقال (لعلك مشيت امام شيخ) وأول من شاب من ولد آدم ابراهيم عليه السلام فقال يا رب ما هذا قال هذا نورى فقال رب زدنى من نورك ووقارك وكان الرجل فى القرون الاولى لا يحتلم حتى يأتى عليه ثمانون سنة وعن وهب ان أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتى سنة قال بعض المشايخ هذه الامة وان كانت أعمارهم قصارا قليلة لكن امدادهم كثيرة وهم ينالون فى زمن قصير ما ناله الأقدمون فى مدة طويلة من المرتبة وهذا فضل من الله تعالى قال حكيم ان خير نصفى عمر الرجل آخره يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه وشرّ نصفى عمر المرأة آخره يسوء خلقها ويحد لسانها ويعقم رحمها وفى الحديث (خير شبابكم من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من تشبه بشبابكم) يقول الفقير هذا يشمل التشبه بانواعه فى الأقوال والأحوال والافعال والقيام والقعود واللباس ونحوها فالصوفى شيخ فى المعنى لان مراده الفناء عن الأوصاف كلها فينبغى له ان يلبس لباس الكهول وان كان شابا وفى الحديث (من اتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار) قال يحيى بن معاذ رحمه الله مقدار عمرك فى جنب عيش الآخرة كنفس واحد فاذا ضيعت نفسك فخسرت الابد انك لمن الخاسرين وفى الآية اشارة الى الفناء والبقاء فالمتوفى هو الفاني عن اثبات وجوده والمردود هو الباقي بوجود موجد وجوده وقوله لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً اى ليكون عاقبة امره ان لا يعلم بعد فناء علمه شيأ بعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هى كما فى التأويلات النجمية وَاللَّهُ تعالى وحده فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ اى جعلكم متفاوتين فيه فمنكم غنى ومنكم فقير ومنكم مالك ومنكم مملوك. والرزق ما يسوقه الله تعالى الى الحيوان من المطعومات والمشروبات. وفيه تنبيه على ان غنى المكثر ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه ولا فقر المقل من بلادته ونقصان عقله وقلة سعيه بل من الله تعالى ليس الا
| كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه | وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا |
| سكندر را نمى بخشند آبى | بزور وزر ميسر نيست اين كار |
| كنج زر گر نبود گنج قناعت باقيست | آنكه آن داد بشاهان بگدايان اين داد |
الأعمال التي هى اركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة بإخلاص بالجنان فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا اى فليس الموالي الذين فضلوا فى الرزق على المماليك بِرَادِّي رِزْقِهِمْ اى بمعطى رزقهم الذي رزقهم إياه أصله رادين سقط النون للاضافة عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ على مماليكهم الذين هم شركاؤهم فى المخلوقية والمرزوقية فَهُمْ اى الملاك والمماليك فِيهِ فى الرزق سَواءٌ فى الفاء دلالة على ترتب التساوي على الرد اى لا يردون عليهم ردا مستتبعا للتساوى فى التصرف والتشارك فى التدبير وانما يردون عليهم منه شيأ يسيرا والحاصل انهم لا يجعلون ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لا نفسهم وهم أمثالهم فى البشرية والمخلوقية فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقه شركاء له مع كمال علوه فأين التراب ورب الأرباب. وهذا كما ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم وكانوا يقولون فى التلبية لبيك لا شريك لك الا شريك هولك أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ الفاء للعطف على مقدر وهى داخلة فى المعنى على الفعل والجحود الإنكار والباء لتضمينه معنى الكفر. والمعنى
أبعد علمهم بان الرزاق هو الله تعالى يشركون به فيجحدون نعمته فان الإشراك يقتضى ان يضيفوا نعم الله الفائضة عليهم الى شركائهم وينكروا كونها من عند الله تعالى فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية إلى التوحيد ونفى الشرك حتى. يتخلصوا من الشرك والظلمات ويتشرفوا بالتوحيد الخالص والأنوار العاليات فعلى العبد الطاعة والسعى الى تحصيل الرضوان والعرفان وانما الرزق على المولى الكريم المنان ومن الكلمات التي نقلها كعب الأحبار عن التوراة «يا ابن آدم خلقتك لعبادتى فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفى اكثر منه لا تطمع ومن اقل منه لا تجزع فان أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندى محمودا وان كنت لم ترض به وعزتى وجلالى لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش فى البر ولا ينالك منها الا ما قسمته لك وكنت عندى مذموما يا ابن آدم خلقت لك السموات والأرضين. ولم اعى بخلقهن أيعييني رغيف اسوقه إليك من غير تعب. يا ابن آدم أنا لك محب فبحبى عليك كن لى محبا يا ابن آدم لا تطالبنى برزق غد كمالا اطالبك بعمل غد فانى لم انس من عصانى فكيف من أطاعني» واعلم ان عباد الله فى باب الرزق على وجوه. منهم من جعل رزقه فى الطلب فمن جعل رزقه فى الطلب فعليه بكسب الحلال الطيب كعمل اليد مثلا. ومنهم من جعل رزقه فى القناعة وهى فى اللغة الرضى بالقسمة وفى اصطلاح اهل الحقيقة هى السكون عند عدم المألوفات. ومنهم من جعل رزقه فى التوكل وهو الثقة بما عند الله واليأس مما فى أيدي الناس. ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة والمجاهدة كما قال ﷺ (أبيت عند ربى يعطعمنى ويسقينى) وهو اشارة الى المشاهدة وقال (جعل رزقى تحت ظل رمحى) وهو اشارة الى المجاهدة فعلى العاقل المجاهدة والعبادة لله تعالى حالصا لا لأجل تنعم النفس فى الجنة والخلاص من النار فانها معلولة والمعبود فى الحقيقة هو الثواب والعقاب ولذا قال فى المثنوى
| هشت جنت هفت دوزخ پيش من | هست پيدا همچوبت پيش وثن «١» |
وَاللَّهُ تعالى وحده جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم أَزْواجاً نساء لتأنسوابها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم. ومن هنا أخذ بعض العلماء انه يمتنع ان يتزوج المرء امرأة من الجن إذ لا مجانسة بينهما فلا مناكحة وأكثرهم على إمكانه ويدل عليه ان أحد أبوي بلقيس كان جنيا قال ابن الكلبي كان أبوها من عظماء الملوك فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن فولدت له بلقيس وفيه حكايات اخر فى آكام المرجان فان قيل غلبة عنصر النار فى الجن تمنع من ان تتكون النطفة الانسانية فى رحم الجنية لما فيها من الرطوبات فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية وقس عليه نكاح الجنى الانسية قلت انهم وان خلقوا من نار فليسوا بباقين على عنصرهم الناري بل قد استحالوا عنه بالا كل والشرب والتوالد والتناسل كما استحال بنوا آدم عن عنصرهم الترابي بذلك على ان الذي خلق من نار هو ابو الجن كما خلق آدم ابو الانس من تراب واما كل واحد من الجن غير ابيهم فليس مخلوقا من النار كما ان كل واحد من بنى آدم ليس مخلوقا من تراب. وذكروا ايضا جواز المناكحة بين الإنسان وانسان الماء كما قال فى حياة الحيوان ان فى بحر الشام فى بعض الأوقات من شكله شكل انسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر فاذا رآه الناس استبشروا بالخصب- وحكى- ان بعض الملوك حمل اليه انسان ماء فاراد الملك ان يعرف حاله فزوجه امرأة فاتاه منها ولد يفهم كلام أبويه فقيل للولد ما يقول أبوك قال يقول أذناب الحيوان كلها فى أسفلها فما بال هؤلاء اذنابهم فى وجوههم. وذكروا ايضا بنات الماء ومناكحة الإنسان اياهن وتولد الأولاد منهن وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ اى جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره بَنِينَ [فرزندان] وَحَفَدَةً جمع حافد وهو الذي يسرع فى الخدمة والطاعة ومنه قول القانت وإليك نسعى ونحفد اى جعل لكم خدما يسرعون فى خدمتكم وطاعتكم ويعينونكم كاولاد الأولاد ونحوهم يقول الفقير حمل الحفدة على البنات كما فعله البعض بناء على انهن يخدمنه فى البيوت أتم خدمة ضعيف لان الخطاب لكون السورة مكية مع المشركين وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الاخبار بالبنات فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهن وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ كالعسل ونحوه ومن للتبعيض لان كل الطيبات فى الجنة وما طيبات الدنيا الا أنموذج منها يقول الفقير المقصود الطيبات المنفهمة بحسب العرف وهى طيبات البلدة والناحية والإقليم لا الطيبات المشتملة عليها الدنيا والجنة فكل الطيبات مرزوق بها العباد أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ الفاء فى المعنى داخلة على الفعل وهى للعطف على مقدر اى أيكفرون بالله الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل وهو ان الأصنام تنفعهم وان البحاثر ونحوها حرام وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ حيث يضيفونها الى الأصنام او المراد بالباطل الأصنام وما يفضى الى الشرك وبنعمة الله الإسلام والقرآن وما فيه من التوحيد والاحكام. والباطل عند اهل الحقيقة قسمان باطل حقيقى وهو ما لا تحقق ولا وجود ولا ثبوت له بان لم يقع التجلي الإلهي فى عالمه أصلا وقسم باطل مجازى وهو التعينات الموجودة كلها اما بطلانه فلكونه عدما فى نفسه «ألا كل شىء ما خلا الله باطل» واما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الإضافي والحق المجازى والمؤمن بالباطل مطلقا كافر بالله تعالى
صفحة رقم 58روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء