ما عندكم من أعْرَاضِ الدنيا يَنْفَذُ ؛ ينقضي ويفنى، وما عند الله من خزائن رحمته، وجزيل نعمته باقٍ لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد ؛ طمعًا في العَرَضِ الفاني، وليجزين الذين صبروا ، على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، أجرهم بأحسنِ ما كانوا يعملون ، بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق.
وهذه الحالة التي أقامهم الحق تعالى فيها هي الحياة الطيبة، أشار إليها الحق تعالى بقوله :
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .
الإشارة : الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين : فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : ٢٩ ]، فهم يتلونون مع الشؤون البارزة من السر المكنون ؛ فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك ؛ إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال ؛ لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي