حسن المقال، عند العجز عن النوال :
" و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة ربك ترجوها، فقل لهم قولا ميسورا ".
للمرء حالتان :
حالة وجد. وحالة عوز(١).
فلما علمنا الله تعالى ما نصنع في حالة الوجد من الإيتاء لذوي القربى واليتامى والمساكين – علمنا ما نصنع في حالة العوز من الرد الجميل، والقول اللين الحسن.
مفردات :
و قوله تعالى :" تعرضن " من الإعراض و هو الانصراف عن الشيء، و هو كناية عن عدم العطاء ؛ لأن من يأبى أن يعطي يعرض بوجهه، ولو إعراضا قليلا. ولما كان الإعراض كناية عن عدم العطاء، فإنه يشمل عدم العطاء عند السؤال، الذي قد يكون معه الإعراض بالفعل ولو قليلا، ويشمل عدم العطاء لمن هو أهل لأن يعطي مع عدم وجود السؤال.
وقوله تعالى :" ابتغاء رحمة من ربك ترجوها " :( الابتغاء ) هو الطلب باجتهاد، وذلك بالأخذ في الأسباب، و الاعتماد على مسببها وهو الله تعالى...
( ورحمة الرب ) هنا رزقه، ( ورجاؤها ) هو انتظارها مع الأخذ في أسبابها بالقلب والعمل.
وابتغاء رحمة الرب ورجاؤها كناية عن حالة العوز و الإعسار ؛ لأن شأن المعوز المؤمن.. أن يكون كذلك.
وقوله تعالى :" فقل لهم قولا ميسورا "، تقول : يسرت له القول، إذا لينته له، فالقول الميسور هو القول الملين.
و حاصل المعنى :
إن أعرضت عنهم فلا تعطهم لأنك لم تجد ما تعطيهم – وهي الحالة التي تكون فيها تطلب رحمة من ربك راجيا رزقه – فقل لهم قولا لينا سهلا، فتواسيهم بالقول عند عدم السؤال، فتقول لهم : يرزق الله، ونحوه من لين الكلام.
و في الآية تعليم وتربية للمعسر من ناحيتين :
الأولى : معاملته لذوي القربى واليتامى والمساكن عند السؤال وعدمه.
وعرف من الآية أنه مطالب بحسن المقال بدلا مما عجز عنه من النوال.
والثانية : أدبه هو في نفسه والحالة التي ينبغي له أن يكون عليها : فإن حالة العسر حالة شدة وبلاء يحتاج المكلف أشد الحاجة أن يعرف دواءه فيها لسيرته العملية، وحالته النفسية، فأعطته هذه الآية الكريمة الدواء لهما.
فأما في سيرته العملية فعليه أن يكون ساعيا في الأسباب حسب جهده، وذلك هو ما يفيده قوله :" ابتغاء رحمة من ربك ".
و أن يكون مطمئن القلب بالله، معتمدا عليه، قوي الثقة فيه(٢) وذلك
ما يفيده قوله :" ترجوها ".
وقد ذكر رحمة الرب – جل جلاله – لوجوه :
الأول : تقوية رجائه، فإنه يعلم سعة رحمة الله وغمره بها في كل حين.
ومن ذا الذي لم يجد نفحات الرحمات في أكثر الأوقات في أحرج الساعات ؟
الثاني : بعثه على الصبر و التسليم وعدم الضجر و السأم من الطلب والانتظار ؛ فإنها رحمة الرب، ومن مقتضى ربوبيته تدبيره للخلق بحكمته.
فما جاء منه – كيف جاء وفي أي وقت جاء : أبطأ أم تأخر هو مقبول منه محمود منا عليه.
الثالث : بعث عاطفة الرحمة على غيره، فإن من كان يرجو رحمة ربه جدير بأن يكون رحيما بعباده. و رحمته بعباد الله تعينه على القيام بما أمر به من حسن المقال عند العسر، و جميل النوال عند اليسر ؛ وتكون سببا له في رحمة الله إياه. والراحمون يرحمهم الرحمن، و إنما يرحم الله من عباده الرحماء.
.
٢ وهذا دواء الحالة النفسية.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي