وقضينا: اخبرنا بالوحي. لتعلن: لتطغون. فجاسوا خلال الديار: دخلوها ووطئوها. رددنا لكم الكرة: أعطيناكم الغلبة. اكثر نفيرا: اكثر عدداً. وليتبروا ما علوا تتبيرا: وليهلكوا ويدمروا ما استولوا عليه من بلادكم تدميرا. حصيرا: مكانا للكافرين.
بعد ان ذكر تعإلى انه أكرم رسولَه محمداً ﷺ بالإسراء من مكة الى بيت المقدس- ذكر هنا ما أكرمه به موسى قبله من إعطائه التوراة، وجعلها هدى لبني اسرائيل، لكنهم أعرضوا عنها وليم يعملوا بهدْيها، بل أفسدوا في الأرض.
وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً.
فافسدوا واعلوا علوًّا كبيرا.
فإذا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً.
كانت هذه الحملة الأولى من الملك البابلي نبوخذ نصر سنة ٥٩٧ قبل الميلاد على مملكة يهوذا، فاستولى على القدس وسبى اليهود ومعهم ملكهم «يهويا كين» وأهل بيته، وأخذ جميع ما عندهم من أموال وذهب وكنوز.
ثم عاد نبوخذ نصر في حلمة ثانية سنة ٥٨٦ قبل الميلاد يعين بعد احد عشر عاما واحتل القدس وخرجها واحرق الهيكل وسبى نحو ٥٠ ألف من اليهود.
وبقي اليهود في بابل الى ان جاء كورش الاخميني سنة ٥٣٩ قبل الميلاد فسمح لهم بالعودة الى فلسطين، فعاد قسم وبقي عدد كبير في بابل ولم يعودوا لأنهم استوطنوا واصبح لهم أملاك وتجارة، وحالوا بناء الهيكل، فاحتج السكان من غير اليهود والأقوام المجاورين من الحثيين والحوريين والعمونيين والأدوميين، ولم يتم بناء الهيكل، وبقي الى ان احتل دارا الأول ملك الفرس البلاد فسمح لهم ببناء الهيكل سنة ٥١٥ قبل الميلاد.
فإذا اعتبرنان هذه الفترة كلها هي الأولى، تكون هي المقصودة بقوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا
وتكون هذه الفترة فترة استقرار. ثم جاء عهد اليونان حيث لاقوا أسوأ الحالات في عهد الملك السلوقي انطيوخس الرابع وذلك سنة ١٧٥ ١٦٤ قبل الميلاد، اذا دمر الهيكل ونهب خزائنه واجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية اليونانية. وبقي الصراع بين اليهود يشتد حتى اندلعت ثورة المكابيين ودام عصرهم نحو قرن وربع، الى ان جاء الرومان، وعين الملك هير ودس الأدومي فسمح لليهود بإعادة بناء الهيكل سنة ٣٩ قبل الميلاد. وفي سنة ٦٦ م. قامت ثورة عارمة شاملة من اليهود على الحكم الرماني، بعد سلسلة من المعارك سيطر تيطس الروماني على الموقف وتمكن من القضاء على اليهود سنة ٧٠. وأوقع فهيم مذبحة مريعة وخرب المدينة، واحرق الهيكل ومره نهائيا فأُزيل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس الى موضعه، وسيق الإيحاء عبيدا.
ويقول المسعودي ان عد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملا يين، فيكون هذا معنى قوله تعإلى:
فإذا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً.
هذا محصل تاريخ اليهود في فلسطين والله اعلم.
فإذا تأملنا في الآيات الكريمة نجد النصَّ الصريحَ على ان بين إسرائيل اذا حكموا وسيطروا طغوا وبغوا وافسدوا في الأرض وعلَو كبيرا، وإذا لم يحكموا افسدوا وسيطروا على المال، وهذا ما نراه اليوم من طغيانهم وبغيهم وتسلطهم في فلسطين. وهم في بقية أنحاء العالم أيضًا مفسِدون مسيطرون، يسيِّرون الحكام والزعماء على أهوائهم وحسب ما يريدون، وينشرون الفساد في كل أرجاء العالم، وسيظلون على هذا الحال ولا يمكن ان يغيروا من طباعهم وتعاليم دينهم المحرَّف. والله تعالى يقول:
عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً.
فالمفهوم أن اليهود عادوا وسيعودون الى الإفساد ما دام لهم سيطرة، وفيهم بقية، فلهم جهنم تحصرهم فلا يفلت منهم احد، وتتسع لهم فلا يند عنها احد.
فالمفسرون على اختلاف طبقاتهم اعتبروا المرَّتين مضى زمانُهما، الأولى في عهد نبوخذ نصر والأخير في عهد تيطس الروماني حيث زال الهيكل وزال حكمهم.
وفي عصرنا هذا وبعد وجود كيان اليهود الجديد، كتب بعض المفكرين يقول: ان الفترة الثانية هي هذه بوجود دولة اسرائيل (ودار نقاشٌ طويل في الصحف، والمجالس، وشهدتُ بعض هذا النقاش في المغرب لما كنتُ هناك) وان الله سيبعث عليهم من يدمرهم.
والواقع ان وجود اسرائيل تقوّى وتمركز بتفككنا نحن العرب والمسلمين، وبعدنا عن ديننا. ونحن الذين جعلناهم أقوياء بخلافاتنا، ومحاربة بعضنا. وواقعهم غير صحيح، ودولتهم تعتمد على شيئين أمريكا تمدها بالمال والسلامح، وضعفنا انشقاقنا وخلافاتنا، فمتى وحّدنا كلمتنا وجمعنا صفوفنا وعزمنا على استرداد مقدساتنا فان اسرائيل تزول ولا يبقى لها وجود، والله تعالى: إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٨].
قراءات:
قرأ حمزة وأبو بكر وابن عامر: «ليسوء» بالافراد، وقرأ الكسائي: «لنسوء» بالنون.
تيسير التفسير
إبراهيم القطان