ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

المفردات :
تتبيرا :(١) مصدر تبر تتبيرا، والتتبير : الإهلاك، وهي كلمة نبطية كما روي عن سعيد بن جبير وكل شيء كسرته وفتّته فقد تبرته، وليتبروا ما علوا تتبيرا وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه وظفروا به تدميرا شديدا(٢).
التفسير :
٧- إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها... الآية.
أي : إن أحسنتم فأطعتم الله ولزمتم أمره أحسنتم لأنفسكم ؛ لأنكم تنفعونها بذلك في دنياها وآخرتها.
فقد جعل الله الجزاء الحق من جنس العمل ووعد المؤمنين العاملين بالنصر والتأييد، كما وعد المفسدين بالعقاب والتأديب.
تلك قاعدة لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة، وهي تجعل عمل الإنسان كله له بكل ثماره ونتائجه، وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج وبه تتكيف، وتجعل الإنسان مسئولا عن نفسه إن شاء أحسن إليها وإن شاء أساء لا يلومنّ إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.
فإذا تقررت هذه القاعدة، مضى السياق يكلم النبوءة الصادقة.
فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا .
لقد فهم اليهود من السياق : أن اليهود أفسدوا مرتين فسلط الله عليهم في المرة الأولى من انتقم منهم، ثم أعاد لليهود دولتهم وملكهم ولم يذكر هنا ما صنع اليهود بعد أن رد الله لهم الكرة على أعدائهم اكتفاء بما علم من طبعهم أنهم كلما استعلوا في الأرض بغوا وأفسدوا، وبما ذكره القرآن من قبل : لتفسدون في الأرض مرتين ، ثم أثبت ما يسلكه الله عليهم في المرة الآخرة فقال :
فإذا جاء وعد الآخرة(٣) ليسوءوا وجوههم .
أي : فإذا جاء وقت عقوبتكم- يا بني إسرائيل- على المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض بعثنا أعداءكم ؛ ليجدوا آثار المساءة بادية في وجوهكم بما يرتكبونه معكم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه، أو ما يجبهون به وجوهكم من مساءة وإذلال. ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها : وليدخلوا المسجد. قاهرين فاتحين مذلين لكم، كما دخلوه أول مرة ؛ وليهلكوا ما ادخرتموه تتبيرا شديدا فلا يبقون منه شيئا.
وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على شيء.
قال الإمام الرازي :
وإنما عزا- سبحانه- الإساءة إلى الوجوه ؛ لأن آثار الأحوال النفسية الحاصلة في القلب، إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والأسفار في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ؛ ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى :{ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا(٤). ( الملك : ٢٧ ). ١ ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:خلاصة الآيات ما يأتي :

‍١-
أخبر الله : أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين، وهذا الفساد معناه : طغيان وعدوان منهم على عباد الله وخروجهم على الطريق القويم.
‌‌‌‌٢- أخبر الله عنهم : أنهم لما طغوا وبغوا : سلط الله عليهم من ينتقم منهم.

٣-
بعد الانتقام الأول عادوا إلى طريق الجادة فانتصروا على أعدائهم، لكنهم لم يلبثوا أن عادوا للفساد فحق عليهم وعيد الله.

٤-
سلط الله عليهم في المرة الثانية من أذلهم، وهدم هيكلهم، وهدم المسجد الأقصى، وقضى عليهم وعلى ملكهم.

٥-
ذكر الله : أنه يشملهم برحمته إذا تابوا إليه، فإن عادوا للفساد ؛ عاد الله عليهم بالعقاب.

٦-
كثر عدد اليهود بعد الإفساد الأول والثاني وعقوبتهما، وأعزهم الله بعد الذل وأعطاهم المال والجاه.

٧-
أرسل الله محمدا نبيا رسولا يعرفون صفته في التوراة، ولكنهم كذبوه وغدروا به ؛ فسلط الله عليهم المسلمين ؛ فحاصروهم وقاتلوهم، وفرضوا عليهم الجزية، ثم أخرجوهم من بلاد العرب.

٨-
استمرت حياة اليهود بين مد وجزر فكلما أرخى الله لهم الحبل ومُتّعوا بالنعمة ؛ أسرفوا في استغلال النعمة وفي الفساد ؛ فسلط الله عليهم من ينتقم منهم.

٩-
كان آخر إفساد لهم سيطرتهم على فلسطين سنة ١٩٤٨، وابتلاع مساحات من البلاد العربية في سنة ١٩٦٧.

١٠-
الأمل في الله أن يهييء لهم من ينتقم منهم وأن يتكاتف العرب والمسلمون ؛ ليثأروا لأنفسهم ولدينهم وأوطانهم.


١ - ذكر المصدر؛ إزالة لشك، وتحقيقا للخبر..
٢ - ويجوز أن تكون ما بمعنى: المدة، أي: ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل، انظر تفسير النيسابوري..
٣ - ووعد الآخرة: أي: وعد عقوبتكم على المرة الآخرة على حذف مضاف، وجواب إذن محذوف والتقدير: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم. وحسن هذا الحذف؛ لدلالة جواب إذا الأولى عليه في قوله تعالى: فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادنا... ..
٤ - تفسير الفخر الرازي ١٥٩/٢..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير