ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

إِنْ أَحْسَنتُمْ أي : أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم، أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ لأن ثواب ذلك عائد إليكم وَإِنْ أَسَأْتُمْ أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها لا على الوجه المطلوب منكم، فَلَهَا أي : فعليها. ومثله قول الشاعر :
فخر صريعاً لليدين وللفم ***. . .
أي : على اليدين وعلى الفم. قال ابن جرير : اللام بمعنى إلى، أي : فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا [ الزلزلة : ٥ ] أي : إليها ؛ وقيل : المعنى : فلها الجزاء أو العقاب. وقال الحسين بن الفضل : فلها ربّ يغفر الإساءة، وهذا الخطاب : قيل هو لبني إسرائيل الملابثين لما ذكر في هذه الآيات، وقيل : لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناه : إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك، وقيل : هو خطاب لمشركي قريش. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخرة أي : حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، والمرة الآخرة : هي قتلهم يحيى بن زكريا كما سبق، وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل، واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله، واسم الملك لاخت قاله ابن قتيبة. وقال ابن جرير : هيردوس، وجواب إذا محذوف، تقديره : بعثناهم، لدلالة جواب «إذا » الأولى عليه، يسؤووا وُجُوهَكُمْ متعلق بهذا الجواب المحذوف أي : ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة، وتتبين في وجوهكم الكآبة، وقيل : المراد بالوجوه السادة منهم. وقرأ الكسائي ( لنسوء ) بالنون، على أن الضمير لله سبحانه. وقرأ أبيّ :( لنسوءن ) بنون التأكيد. وقرأ أبو بكر، والأعمش، وابن وثاب، وحمزة، وابن عامر «ليسوء » بالتحتية والإفراد. قال الزجاج : كل شيء كسرته وفتته فقد تبرئه، والضمير : لله أو الوعد وَلِيَدْخُلُوا المسجد معطوف على ليسوءوا . كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُوا أي : يدمروا ويهلكوا، وقال قطرب : يهدموا، ومنه قول الشاعر :
فما الناسُ إلاّ عامِلان فَعَاملٌ *** يُتَبِّر ما يَبْنِي، وآخر رافع
وقرأ الباقون بالتحتية، وضم الهمزة، وإثبات واو بعدها على أن الفاعل عباد لنا مَا عَلَوْاْ أي : ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم تَتْبِيرًا أي : تدميراً، ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسرائيل قال : أعلمناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : أخبرناهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً : قَضَيْنَا إلى بَنِي إسرائيل : قضينا عليهم. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عليّ في قوله : لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ قال : الأولى : قتل زكريا، والآخرة : قتل يحيى. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية، قال : كان أوّل الفساد قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم، فذلك قوله : ثم رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : بعث الله عليهم في الأولى جالوت، وبعث عليهم في المرة الأخرى بختنصر، فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه فَجَاسُوا قال : فمشوا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : تَتْبِيرًا تدميراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ قال : كانت الرحمة التي وعدهم بعث محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا قال : فعادوا فبعث الله سبحانه عليهم محمداً، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. واعلم أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرّتين، وفي تعيين من سلطه الله عليهم، وفي كيفية الانتقام منهم، ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا قال : سجنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، قال : معنى حصيراً : جعل الله مأواهم فيها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : حَصِيرًا قال : فراشاً ومهاداً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله : إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ قال : للتي هي أصوب. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه كان يتلو كثيراً ( إِنَّ هذا القرءان يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ ) بالتخفيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير يعني قول الإنسان : اللهم العنه واغضب عليه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله وَكَانَ الإنسان عَجُولاً قال : ضجراً، لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سلمان الفارسي قال : أوّل ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال : يا ربّ أعجل قبل الليل، فذلك قوله : وَكَانَ الإنسان عَجُولاً .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية