قوله تعالى: وَمَن كَانَ فِي هذه : يجوز في «مَنْ» ما جاز في «مَنْ» قبلها. وأمال الأخَوان وأبو بكر «أعمى» في الموضعين من هذه السورة، وأبو عمروٍ أمال الأولَ دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإِمالةُ لكونِهما من ذوات الياء، والتفخيمُ لأنه الأصل. وأمَّا أبو عمروٍ فإنه أمال الأولَ لأنه ليس أفعلَ تفضيلٍ فألفُه متطرفةٌ لفظاً وتقديراً، والأطرافُ محلُّ التغيير غالباً، وأمَّا الثاني فإنه للتفضيلِ ولذلك عَطَف عليه «وأَضَلَّ» فألفُه في حكم المتوسطة؛ لأنَّ «مِنْ» الجارَّةَ للمفضول كالملفوظ بها، وهي شديدةُ الاتصالِ بأَفْعَلِ التفضيلِ فكأنَّ وقعت حَشْواً فتحصَّنَتْ عن التغيير.
قلت: كذا قرَّره الفارسيُّ والزمخشري، وقد رُدَّ هذا بأنهم أمالوا وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ [المجادلة: ٧] مع التصريح ب «مِنْ» فَلأَنْ يُميلوا «أَعْمى» مقدَّراً معه «مِن» أَوْلَى وأَحْرَى.
وأمَّا «أَعْمى» في طه فأماله الأخَوان وأبو عمرو، ولم يُمِلْه أبو بكر، وإن كان يُمليه هنا، وكأنه جَمَعَ بين الأمرين وهو مقيَّدٌ باتِّباع الأثر. وقد فَرَّق
بعضُهم: بأنَّ «أعمى» فيه طه مِنْ عَمَى البصرِ، وفي الإِسراء مِنْ عَمَى البصيرة؛ ولذلك فسَّروه هنا بالجَهْل فأُمِيلَ هنا، ولم يُمَلْ هناك للفرقِ بين المعنيين. قلت: والسؤال باقٍ؛/ إذ لقائلٍ أن يقولَ: فَلِمَ خُصِّصَتْ هذه بالإِمالةِ، ولو عُكِسَ الأمرُ كان الفارقُ قائماً.
صفحة رقم 392الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط