ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

نحو هذا، والمراد: لا تجدون من يتبع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وإنقاذكم مما أوقعناكم فيه.
إن الذي يتأمل بهذه الإنذارات والتهديدات بألوان العذاب في البر والبحر، يدرك إدراكا صحيحا، أن قدرة الله الشاملة لا مفر منها ولا مهرب، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا في البر ولا في البحر، فالله رحيم بالطائعين الشاكرين الحامدين، ولكنه أيضا غضوب شديد العذاب للجاحدين وجوده، المنكرين وحدانيته، المعرضين عن أوامره، المتنكرين لفضله وإحسانه، وكل امرئ يختار لنفسه ما يحلو، فإن أراد السلامة والنجاة من الويلات، عفّ وقنع، وأطاع واستقام، وإن ارتكب طريق الحماقة والطيش، واستبدت به الأهواء والشهوات، وأعرض عن منهاج الحق والإله، أوقع نفسه في مهاوي الردى والهلاك.
تكريم الإنسان
تشمل الرعاية الإلهية الإنسان من جميع أحواله المادية والمعنوية، فالله سبحانه ينجّي الإنسان المسافر من مخاطر البحر والبر، وهو سبحانه يصون كرامة الإنسان، ويحمي حقوق الإنسان، ويجعله خليفة الأرض، ويسخر له جميع ما في السماوات والأرض من منافع وخيرات، وذلك ما لم يحظ به مخلوق آخر ولا جنس آخر، وتلك فضيلة تميز بها الإنسان، وجعلته يختص بخصائص لا مثيل لها، وتظهر ثمار هذه الخصائص في تمكين الإنسان من الإفادة من خيرات الكون، وفي تفضيل البشر على سائر المخلوقات يوم القيامة، إنها النعمة العظمى والفضل الإلهي العميم، قال الله سبحانه مبينا مبدأ التكريم للإنسان:
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢)

صفحة رقم 1371

«١» [الإسراء: ١٧/ ٧٠- ٧٢].
لم تقتصر أفضال الله على الإنسان في الدنيا، وإنما في الآخرة أيضا، ففي الدنيا كرم الله بني آدم، بخلقهم على أحسن صورة وهيئة، ومنحهم السمع والبصر والفؤاد للفهم والإدراك، وميزهم عن سائر الحيوان بالعقل الذي يدركون به حقائق الأشياء، ويهتدون به إلى جميع المنافع المادية، وإلى معرفة اللغات، والتمييز بين الخير والشر، والنفع والضرر.
وفي الدنيا حمل الله البشر في البر على الدواب وسائر وسائل النقل والركوب ورزقهم من طيبات الرزق، من زروع وثمار، ولحوم وألبان، وجمّلهم بالمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة، وفضلهم على كثير من المخلوقات، وكل ذلك لنفي النقصان، لا التكريم بالمال.
واختصاص الإنسان بالعقل وتفضيله به على سائر الحيوان إنما هو من أجل معرفة الله تعالى، وفهم كلامه، والتوصل إلى نعيمه، وإعمال الفكر في مكنونات الكون، والإفادة من ذخائر الأرض ودفائنها، ومحاولة إدخال التعديل والتطوير عليها، وكل ذلك إنما يتم بتوفيق من الله ورضوانه، وإلهام وإحسان من الله على عباده.
وارتأى بعض المفسرين أن هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنسان من حيث هم المستثنون، والواقع لا يفهم من الآية شيء من هذا، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تتعرض له الآية، ويحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وفضلت

(١) قدر الخيط في شق النواة، من الجزاء.

صفحة رقم 1372

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية