المعنى الإجمالي :
يوم ندعو كل قوم بإمامهم الذي يأتمون به من دين أو زعيم، أو ندعو كل إنسان بكتاب أعماله، فالسعداء يأخذون كتابهم بيمينهم والأشقياء الذين عموا عن طريق الهدى في الدنيا ؛ يبعثون على حالتهم من العمى والضلال، بل هم في الآخرة أشد عمى، وأبعد عن سبيل الخير.
وقد أوشك هؤلاء الكافرون أن يوقعوك : لتنصرف عن الذي أوحين إليك ؛ لتختلق علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا.
ولقد شملت لطفنا، فصرفناك عن الاستجابة لهم، وثبتناك على الحق، ولولا ذلك لأوشكت أن تميل إلى استجابتهم ؛ طمعا في أن يكمل إيمانهم يوما إذا دخلوا في أوائل الإسلام، ولو ركنت إليهم ؛ لجمعنا عليك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، ثم لا تجد لك علينا نصيرا.
ولقد حاول كفار مكة وكادوا أن يزعجوك بعداوتهم ومكرهم ؛ ليخرجوك من مكة، وإذا فعلوا فلا يلبثون بعدك إلا قليلا ثم يهلكهم الله، لقد جرت سنتنا بأن الأمم التي تلجأ رسلها إلى الخروج من أرضها، لا بد أن يصيبها الوبال والنكال.
المفردات :
أعمى : أي : أعمى البصيرة عن حجة الله وبيّناته.
التفسير :
٧٢- { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة وأضل سبيلا منه في الدنيا ؛ لأن الروح الباقي بين الموت هو الروح الذي كان في هذه الحياة الدنيا وقد أخرج من الجسم وكأنه ولد منه كما تلد المرأة الصبي، وكما يثمر النخل الثمرة، والأشجار والفواكه، وما الثمر والفواكه إلا ما كان من طباع الشجرة، فهكذا الروح الباقي هو هذا الروح نفسه قد خرج بجميع صفاته وأخلاقه وأعماله، فهو ينظر إلى نفسه وينفر أو ينشرح بحسب ما يرى، وما الثمر إلا بحسب الشجر، فإذا كان هناك ساهيا لاهيا، فهناك يكون أكثر سهوا ولهوا، وأبعد مدى في الضلال ؛ لأن آلات العلم والعمل قد عطلت وبقي فيه مناقبه ومثالبه ولا قدرة على الزيادة في الأولى ولا النقص في الثانية.
وفي ظلال القرآن :
هذا مشهد يصور الخلائق محشورة وكل جماعة تنادي بعنوانها، باسم المنهج الذي اتبعته، أو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اقتدت به أو الإمام الذي ائتمت به في الحياة الدنيا، تنادي ليسلم لها كتاب عملها وجزاءها في الدار الآخرة، فمن أوتي كتابه بيمينه ؛ فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاه، ويوفي أجره لا ينقض منه شيئا ولو قدر الخيط الذي يتوسط النواة، ومن عمى في الدنيا عن دلائل الهدى ؛ فهو في الآخرة أعمى عن طريق الخير وأشد ضلالا، وجزاؤه معروف، ولكن السياق يرسمه في المشهد المزدحم الهائل، أعمى ضالا يتخبط، لا يجد من يهديه ولا ما يهتدي به، ويدعه كذلك لا يقرر في شأنه أمرا ؛ لأن مشهد العمى والضلال ؛ في ذلك الموقف العصيب هو وحده جزاء مرهوب، يؤثر في القلوب ! ١.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة