وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا ١٩ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ٢٠ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ٢١ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا [ الكهف : ١٩ -٢٢ ].
تفسير المفردات : بعثناهم : أي أيقظناهم. لبثتم : أي أقمتم. والورق : الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. وأزكى : أجود وأطيب. وليتلطف : أي يتكلف اللطف في المعاملة، كي لا تقع خصومة تجرّ إلى معرفته. ولا يشعرنّ : أي لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم.
الإيضاح : وكذلك بعثناهم أي كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مر الأيام بقدرتنا –بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه، من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم العبادة لله الواحد القهار، إذا تبينوا طول الزمان عليهم وهم بهيئتهم حين رقدوا.
ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم أي ولتكون عاقبة أمرهم أن يسأل بعضهم بعضا، فيقول قائل منهم لأصحابه : كم لبثتم ؟ ذاك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم.
قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم أي فأجابه الآخرون، فقالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ظنا منهم أن ذلك كذلك كان.
وإيضاح هذا أنهم لم يتحققوا مقدار لبثهم، فهم لا يدرون مقدار ذلك اللبث، أيوم هو أو بعض يوم، لأن لوثة النوم وظواهره لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم، فلم ينظروا إلى الإمارات التي تدل على ذلك المقدار الذي يظنّ، أنه قد كان.
وأكثر المفسرين على أن دخولهم في الكهف كان أول النهار واستيقاظهم كان آخر النهار.
قالوا ربكم أعلم بما لبثتم أي وقال آخرون : ربكم أعلم بما لبثتم أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، بل الله هو الذي يعلمها، وهذا من الأدب البارع في الرد على الأولين بأحسن أسلوب وأجمل تعبير.
وحين علموا أن الأمر ملتبس عليهم عدلوا إلى الأهم في أمرهم وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب فقالوا :
فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة أي فابعثوا بدراهمكم هذه إلى المدينة وهي طرسوس كما جزم بذلك فخر الدين الرازي.
وفي قولهم ( هذه ) إشارة إلى أن القائل كان قد أحضرها ليناولها بعض أصحابه، وإلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله، لا ينافي التوكل على الله كما جاء في الحديث " اعقلها وتوكل ".
فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه أي فليصبر أيّ الأطعمة أجود وألذ فليأتكم بمقدار منه.
وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا أي وليترفق في دخول المدينة، وفي شرائه، وفي إيابه منها، ولا يخبرن بمكانكم أحدا من أهلها.
تفسير المراغي
المراغي