في هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن " الفتية " الذين اهتدوا وآمنوا واعتزلوا قومهم وما يعبدونه من دون الله، فآووا إلى أحد الكهوف الخالية، فارين بدينهم من الفتنة والأذى، بعد أن وصف كتاب الله في الربع الماضي ما كانوا عليه من إيمان راسخ بالله، واستنكار بالغ لمعتقدات الشرك والوثنية التي كان عليها قومهم هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا جاءت آيات هذا الربع توضح عناصر جديدة، من هذه القصة الفريدة :
-العنصر الثاني يتعلق ببعثهم من مرقدهم بعد مرور عدة قرون على اعتزالهم في الكهف ونومهم الطويل فيه، فقد شاءت حكمة الله أن يوقظهم ويبعثهم ليروا بأنفسهم غلبة الحق على الباطل، وهزيمة الشرك أمام التوحيد، ولتقوم لهم الحجة على أن الحق الذي آمنوا به هو الذي ظهر وانتصر في مدينتهم وبين قومهم، وأن العاقبة للمتقين مهما طال الأمر، وبمجرد ما بعثهم الله أخذوا يتساءلون فيما بينهم عن المدة التي قضوها في الكهف، وانقسموا في تقديرها إلى فريقين، وعندما لم يهتدوا إلى جواب حاسم في الموضوع وكلوا أمر ذلك إلى علم الله، ونظرا لإحساسهم بالجوع المفرط فقد فكروا في أن يبعثوا أحدهم بما كان قد بقي معهم من النقود إلى المدينة التي اعتزلوها من قبل، ليشتري لهم منها طعاما طيبا يسدون به الرمق، لكنهم أشاروا على مبعوثهم في نفس الوقت أن يحذر ما أمكن من سكان المدينة حتى لا يشعر به أحد، ظنا منهم أن مدينتهم التي اعتزلوها من أجل الشرك لا تزال على ما فارقوها عليه، وأن أهلها لا يزالون متمسكين بعبادة الأصنام، وخوفا من أن أهلها إذا عرفوهم قتلوهم رجما بالحجارة، أو أكرهوهم على العودة إلى معتقداتهم الباطلة بدلا من عقيدة التوحيد، وفي ذلك الخسران المبين، وإلى هذا العنصر الثاني يشير قوله تعالى هنا : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم أي وكما أنمناهم تلك النومة الطويلة أيقظناهم، فأخذ بعضهم يسأل بعضا عما صنع الله بهم : قال قائل منهم كم لبثتم، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف، ولا يشعرن بكم أحدا، إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري