ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وقوله :" قيماً " فيما نقل عن ابن عباسٍ أنه قال : يريد مستقيماً [ قال ابن الخطيب :]١ وهذا عندي مشكلٌ ؛ لأنَّه لا معنى لنفي الاعوجاج إلاَّ حصول الاستقامةِ، فتفسير القيّم بالمستقيم يوجبُ التكرار، بل الحق أن يقال : المرادُ من كونه قيِّماً سبباً لهداية الخلق، وأنَّه يجري بحذوِ من يكون قيّماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفالِ، والقرآن كالقيِّم المشفق القيم بمصالحهم.
قوله :" ليُنْذِرَ " في هذه اللام وجهان، أظهرهما : أنها متعلقة ب " قيِّماً " قاله الحوفيُّ. والثاني :- وهو الظاهرُ - أنَّها تتعلق ب " أنْزلَ ". وفاعل " لِيُنذِرَ " يجوز أن يكون " الكتاب " وأن يكون الله، وأن يكون الرسول.
و " أنْذَرَ " يتعدَّى لاثنين : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً [ النبأ : ٤٠ ] فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً [ فصلت : ١٣ ]. ومفعوله الأول محذوف، يقدره الزمخشري :" ليُنْذِرَ الذين كفروا "، وغيره :" ليُنذِرَ العباد "، أو " ليُنذرَكم "، أو لينذر العالم. وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله " ويُبشِّر المؤمنين "، وهم ضدُّهم.
وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا، حذف المنذر به وأتى بالمنذرِ في قوله وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ [ الكهف : ٤٠ ] فحذف الأول من الأول لدلالةِ ما في الثاني عليه، وحذف الثاني من الثاني لدلالة ما في الأول عليه، وهو في غاية البلاغة، ولمَّا لم تتكرَّر البشارة ذكر مفعوليها فقال : وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً .
قوله : مِّن لَّدُنْهُ قرأ أبو بكرٍ عن عاصم بسكون الدَّال مشمَّة الضمَّ وكسر النون والهاء موصلة بياء، فيقرأ " مِنْ لَدْنهِي " والباقون يضمون الدال، ويسكنون النون ويضمون الهاء، وهم على قواعدهم فيها : فابن كثيرٍ يصلها بواوٍ نحو : منهُو وعنهُو، وغيره لا يصلها بشيءٍ.
وجه أبي بكرٍ : أنَّه سكن الدال تخفيفاً كتسكين عين " عَضُد " فالنون ساكنة، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاءِ الساكنين، وكان حقُّه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العودُ إلى ما فرَّ منه، وسيأتي لتحقيق هذا بيانٌ في قوله تعالى : وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ [ النور : ٥٢ ] في سورة النور، لمَّا كسر النون إتباعاً على قاعدته ووصلها بياء. وأشم الدال إشارة إلى أصلها في الحركة.
والإشمامُ هنا عبارة عن ضمِّ الشفتين من غير نطقٍ، ولهذا يختصُّ به البصير دون الأعمى، هكذا قرَّرهُ القراء وفيه نظر ؛ لأنَّ الإشمام المشار إليه إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة فلا يليق إلاَّ بأن يكون إشارة إلى حركة الحرفِ الآخر المرفوع إذا وقف عليه نحو :" جاء الرجل "، وهكذا قدَّره النحويون. وأمَّا كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصوَّر إلا أن يقف المتكلم على ذلك الساكن ثم ينطق ب " ياء " الكلمة. وإذا جرَّبت نطقك في هذا الحرف الكريم وجدت الأمر كذلك، لا ينطقُ به بالدال الساكنة مشيراً إلى ضمها إلا حتى يقف عليها، ثم يأتي ب " ياء " في الكلمة.
فإن قلت : إنَّما آتي بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمةِ بأسرها. قيل لك : فاتت الدلالة على تعيين٢ ذلك الحرف المشار إلى حركته.
فالجواب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته وهو الدال. وقد تقدَّم في " يوسف " أن الإشمام في لاَ تَأْمَنَّا [ يوسف : ١١ ] إذا فسَّرناه بالإشارة إلى الضمة : منهم من يفعله قبل كمال الإدغام، ومنهم من يفعله بعده، وهذا نظيره. وتقدَّم أنَّ الإشمام يقع بإزاءِ معانٍ أربعةٍ تقدَّم تحقيقها.
و " مِنْ لدُنه " متعلق ب " ليُنْذِرَ ". ويجوز تعلقه بمحذوفٍ نعتاً ل " بَأساً "، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في " شديداً ".
والبأس مأخوذ من قوله : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [ الأعراف : ١٦٥ ] و مِّن لَّدُنْهُ أي : صادراً من عنده.

فصل


قال الزجاج : وفي " لدُن " لغات يقال : لَدُ، ولدُنْ، ولَدَى بمعنى واحدٍ، وهي لا تتمكن ممكن " عند " ؛ لأنَّك تقول هذا القول الصَّواب عندي، ولا يقال : صوابٌ لدني، ويقال : عندي مالٌ عظيمٌ، [ والمال ]٣ غائب عنك، ولدني لما يليك لا غير.
وقرئ " ٤ ويُبشِّرُ " بالرفع على الاستئناف. والمراد بالأجر الحسن الجنة.
١ سقط من أ..
٢ في ب: تغيير..
٣ في ب: وهو..
٤ ينظر: البحر المحيط ٦/٩٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية