والقيم : المستقيم الذي لا ميل فيه، أو القيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمناً عليها، وعلى الأوّل يكون تأكيداً لما دل عليه نفي العوج، فربّ مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة، وانتصاب قيماً بمضمر، أي جعله قيماً، ومنع صاحب الكشاف أن يكون حالاً من الكتاب، لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالاً من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة. وقال الأصفهاني : هما حالان متواليان إلا أن الأوّل جملة والثاني مفرد، وهذا صواب لأن قوله : وَلَمْ يَجْعَل لم يكن معطوفاً على ما قبله بل الواو للحال، فلا فصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وقيل : إن قيماً حال من ضمير لم يجعل له . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في قوله قيماً فقال : ليُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، والمعنى : لينذر الكافرين، والبأس : العذاب، ومعنى مِن لدُنْهُ : صادراً من لدنه نازلاً من عنده. روى أبو بكر، عن عاصم : أنه «قرأ من لدنه » بإشمام الدال الضمة، وبكسر النون والهاء، وهي لغة الكلابيين. وروى أبو زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون النون وَيُبَشّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات ، قرئ «يبشر » بالتشديد والتخفيف، وأجرى الموصول على موصوفه المذكور، لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا وهو الجنة حال كونهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب الآية قال : أنزل الكتاب عدلاً قيماً وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا ملتبساً. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قَيِّماً قال : مستقيماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مِن لدنه أي : من عنده. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي حَسَنًا يعني : الجنة وَيُنْذِرَ الذين قَالُوا اتخذ الله وَلَدًا قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه حزناً شديداً، فأنزل الله سبحانه : فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه باخع نفْسَكَ يقول : قاتل نفسك، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد أَسَفاً قال : جزعاً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة أَسَفاً قال : حزناً. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لهَا قال : الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير من قوله مثله. وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس في الآية قال : العلماء زينة الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : هم الرجال العباد العمل لله بالطاعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ، وابن مردويه عن ابن عمر قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً فقلت : ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال :( ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله ). وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : ليختبرهم أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً قال : أيهم أتمّ عقلاً. وأخرج عن الحسن أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً قال : أشدهم للدنيا تركاً، وأخرج أيضاً عن الثوري قال : أزهدهم في الدنيا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً قال : يهلك كل شيء ويبيد. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : الصعيد : التراب والجبال التي ليس فيها زرع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : يعني بالجرز : الخراب.