ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها، فقال :
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً
قلت : كماءٍ : خبر عن مضمر، أي : هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانيًا لاضْربْ، على أنه بمعنى " صيِّر ".
يقول الحقّ جلّ جلاله : واضربْ لهم مَثَل الحياة الدنيا أي : واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها ؛ لئلا يطمئنوا إليها ويغفُلوا عن الآخرة، هي كماءٍ أنزلناه من السماء وهو المطر، فاختلط به أي : بسببه نباتُ الأرض بحيث التف وخالط بعضُه بعضًا ؛ من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة فأصبح هشيمًا أي : مهشومًا مكسورًا، تذروه الرياحُ أي : تُفرقه وتطيره، كأن لم يَغْنَ بالأمس، وكان الله على كل شيء مقتدرًا : قادرًا، ومن جملة الأشياء : الإفناء والإنشاء.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي