ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ

ثم ضرب مثلا في سرعة ذهابها وفنائها، فقال :
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً
قلت : كماءٍ : خبر عن مضمر، أي : هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانيًا لاضْربْ، على أنه بمعنى " صيِّر ".
يقول الحقّ جلّ جلاله : واضربْ لهم مَثَل الحياة الدنيا أي : واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها ؛ لئلا يطمئنوا إليها ويغفُلوا عن الآخرة، هي كماءٍ أنزلناه من السماء وهو المطر، فاختلط به أي : بسببه نباتُ الأرض بحيث التف وخالط بعضُه بعضًا ؛ من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة فأصبح هشيمًا أي : مهشومًا مكسورًا، تذروه الرياحُ أي : تُفرقه وتطيره، كأن لم يَغْنَ بالأمس، وكان الله على كل شيء مقتدرًا : قادرًا، ومن جملة الأشياء : الإفناء والإنشاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد تقدم، مرارًا، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة ؛ لسرعة ذهابها وانقراضها. رَوى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا " ؟ قلت : نعم، فأخذ بيدي، وانطلق، حتى وقف بي على مزبلة، رؤوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة، وخِرَق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين، فقال :" يا أبا هريرة ؛ هذه رؤوس الآدميين التي تراها، كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون، وكانوا يَجِدُّون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تَجِدُّون، فاليوم قد تعرّت عظامهم، وتلاشت أجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضُهم من بعض، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد ؛ من نتنها، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تُشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاء. " قال أبو هريرة رضي الله عنه : فبكى جماعة الحاضرين " ٢.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير