ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

شقائهم وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا- ضرب مثلا لدار الدنيا عامة فى سرعة فنائها وعدم دوام نعيمها فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)
تفسير المفردات
المثل: الصفة، وهشيما: أي يابسا متفتتا، تذروه: أي تنثره وتفرقه، ومقتدرا: أي كامل القدرة، والباقيات الصالحات: هى الأعمال الصالحة كلها، وثوابا: أي جزاء.
المعنى الجملي
أخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل وما هى يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هن الباقيات الصالحات، وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة».
وأخرج النسائي والطبراني والبيهقي عن أبى هريرة مرفوعا «خذوا جنّتكم، قيل يا رسول الله من أىّ عدو قد حضر، قال بل جنّتكم من النار قول سبحان الله، والحمد لله،

صفحة رقم 153

ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات معقّبات ومجنبّات، وهن الباقيات الصالحات».
الإيضاح
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ) شبّهت الدنيا فى نضرتها ثم صيرورتها إلى الزوال بحال نبات اخضرّ والتف وأزهر، ثم صار هشيما متفتّتا تنثره الرياح ذات اليمين وذات الشمال ومن ثم لا يغترّنّ أهلها بها، ولا يفخرنّ ذو الأموال الكثيرة بأمواله، ولا يستكبرنّ بها على غيره، فإنما هى ظل زائل،
وفى الحديث «الدنيا كسوق قام ثم انفضّ».
(وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) أي وكان الله ذو الكمال والجلال قادرا على كل شىء إنشاء وإفناء وإعادة، فهو يوجد الأشياء ثم ينمّيها ثم يفنيها، وما حال الدنيا إلا هذه الحال، فهى تظهر أولا ناضرة زاهرة ثم تتزايد قليلا قليلا، ثم تأخذ فى الانحطاط إلى أن تصير إلى الهلاك والفناء، فلا ينبغى للعاقل أن يبتهج بما يحوزه منها أو يفخر به أو يصعّر خذه استكبارا.
ثم بين سبحانه ما كانوا يفتخرون به من محسّنات الدنيا إثر بيان حالها بما مرّ من المثل فقال:
(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي إن الأموال والبنين التي يفخر بها عيينة والأقرع وأضرابهم هى من زينة هذه الحياة، وليسا من زاد الآخرة، وقد علمت أن الدنيا سريعة الفناء، فلا ينبغى التفاخر بها.
وقدم المال على البنين مع كونهم أعز منه لدى جميع الناس- من قبل أن الزينة به أتم، ولأنه يمد الآباء والأبناء فى كل حين، ولأنه مناط بقاء النفس والأولاد، وبذا يبقى النوع الإنسانى، ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم، ولأنه زينة بدونهم، دون العكس، فإن من له بنون ولا مال له فهو فى بؤس وشقاء.

صفحة رقم 154

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية