قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا بينَّا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ .
اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك ؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة ؛ فقال : وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً .
قوله : مِن كُلِّ مَثَلٍ : يجوز أن تكون " مِنْ كلِّ " صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول " صرَّفنا "، أي : صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون " مِنْ " مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين.
قوله :" جَدَلاً " منصوب على التمييز، وقوله : أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً أي : أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع " شيءٍ " موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان ؛ إذ الأصل : وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء ؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه ؛ فإنه قال(١) :" فيه وجهان :
أحدهما : أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه ب " جدلاً " يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص.
والثاني : أن في الكلام محذوفاً، تقديره : وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه ". فقوله :" تقديره : وكان جدل الإنسان " يفيد أنَّ إسناد " كان " إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك : وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً ؛ كقولهم :" شِعرٌ شَاعرٌ " يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ.
وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين ؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود