قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ( ٧١ ) :
اختلف في قوله تعالى : وإن منكم إلا واردها هل هو ١ قسم أم لا ؟ فقيل هو مقسم عليه مردود على قوله تعالى : فوربك لنحشرنهم [ مريم : ٦٨ ]، وقيل هو مقسم عليه والقسم محذوف التقدير : والله إن منكم إلا واردها، فحذف القسم ٢. وهذا كثير في كلام العرب، ومثله قوله تعالى : لمن ليبطئن [ النساء : ٧٢ ]. وقال قوم لا قسم في قوله : وإن منكم إلا واردها . وإذا لم يكن على هذا القول قسم فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " ألا تحلة القسم إلا بشيء الذي لا يناله معه مكروه " ٣، وأصله من قول العرب : ضربه تحليلا وضربه تعزيرا إذا لم يبالغ في ضربه. وأصله من تحليل اليمين، وهو أن يحذف ثم يستثني استثناء متصلا ثم جعل ذلك مثلا لكل شيء يقل وقته ٤. وقال بعضهم : الصحيح أن هذا قسم منه تعالى على ورود الناس النار ٥ وبينه عليه الصلاة والسلام : " من مات له ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم " ٦ وقد جاء هذا مفسرا في حديث آخر : " من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعا لم يأجره السلطان لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم " ٧. قال تعالى : وإن منكم إلا واردها وقد قرئ : وإن منهم إلا واردها ... على إرادة الكفار ٨. واختلف العلماء على ٩ قراءة : وإن منكم إلا واردها . فمنهم من حمل ١٠ ذلك على الكفار. وقال الجمهور : بل المخاطب جميع العالم ولا بد لهم من الورود. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في كيفية ورود المؤمنين. فمنهم من قال : ورود دخول لكنها لا تعدو عليهم ثم يخرجهم الله تعالى منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه. وكان من دعاء بعضهم : اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما ١١ وجاءت في هذه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تعضده ١٢. وقال قوم بل ورود إشراف واطلاع لا دخول. واختلف الذين ذهبوا إلى أنه ورود دخول ١٣. فرأى جمهورهم الآية محكمة وأنه لا ينجو أحد من ذلك، وذهب آخرون إلى أنها محكمة وأنه قد ينجو منها قوم واحتجوا بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " لا يدخلن النار أحد من أهل بدر والحديبية " قالت حفصة : وأين قول الله عز وجل وإن منكم إلا واردها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم " ١٤ ورجح الزجاج هذا القول لقوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ١٥ [ الأنبياء : ١٠١ ]. وذهب بعضهم إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( ١٠١ ) وهذا أضعف الأقوال لأنه ليس بموضع نسخ ١٦. وتحقيق القول في هذه المسألة ١٧ على مذهب أهل السنة الذين لا يرون إنفاذ الوعيد واجبا، إذ المراد بالآية عصاة المؤمنين إذا شاء الله أن ينفذ وعيده فيهم. وأما على قول المعتزلة الذين يرون إنفاذ الوعيد فيكون العصاة مخلدين في النار، تعالى الله عز وجل عن ذلك. وأما على قول الخوارج المكفرين بالذنوب فحالهم في ذلك حال الكفار، تعالى الله سبحانه عن ذلك. وكلهم يتأول الآية على مذهبه، والصحيح ما ذكرنا. وأما على قول المرجئة فيرون الآية في الكفار لأن من قال : لا إله إلا الله، لا يدخل عندهم النار.
٢ في (أ)، (د)، (هـ)، (و): "فحذف والله"..
٣ الحديث: راجع صحيح البخاري كتاب الأيمان والنذور ٧/ ٢٢٤..
٤ راجع مختلف هذه الأقوال في التفسير الكبير للرازي ٢١/ ٢٤٢، ٢٤٣، المحرر الوجيز ١١/ ٤٨، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٥، ١٣٦..
٥ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٤٨. وقال القرطبي: هذا قسم والواو يتضمنه. راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٥..
٦ الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب الجنائز، باب: فضل من مات له ولد ٢/ ٧٢، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل من يموت له ولد ٣/ ٢٠٢٤..
٧ الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن معاذ بن جبل ٣/ ٤٣٧..
٨ نسبه ابن عطية إلى ابن عباس وعكرمة. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٨..
٩ في (د): "في"..
١٠ في (د): "جعل"..
١١ نسبه ابن عطية إلى ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٨..
١٢ قال القرطبي: روي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الورود، الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم". راجع الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣٦..
١٣ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٤٩..
١٤ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أصحاب الشجرة ٢/ ١٩٤٢..
١٥ ذكر ذلك ابن عطية، وقال: وهذا ضعيف وليس هذا بموضع نسخ. راجع المحرر الوجيز ١١/ ٤٩..
١٦ قال مكي: ولا يحسن هذا لأنه خبر لا يجوز نسخه. راجع الإيضاح ص ٣٠١..
١٧ "المسألة" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
أحكام القرآن
ابن الفرس