قَوْله تَعَالَى: وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها مَعْنَاهُ: وَمَا مِنْكُم إِلَّا واردها. وَاخْتلفُوا فِيمَا ينْصَرف إِلَيْهِ قَوْله: واردها قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ النَّار، قَالَ: والورود هُوَ الدُّخُول، وَقَالَ: يدخلهَا الْبر والفاجر، ثمَّ ينجو الْبر، وَيبقى الْفَاجِر. وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: تمارا ابْن عَبَّاس وَنَافِع بن الْأَزْرَق فِي الْوُرُود، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدُّخُول، وتلا قَوْله تَعَالَى: إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ ثمَّ قَالَ: يَا نَافِع، أَنا وَأَنت داخلها، وَأَرْجُو أَن ينجيني الله مِنْهَا، وَلَا
صفحة رقم 306
ينجيك مِنْهَا، لِأَنَّك كذبت بِهِ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ: أخبرنَا أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن [فراس] قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المقرىء قَالَ: حَدثنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد، عَن سُفْيَان.
وروى قُرَّة عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّاس يردون النَّار، ويصدر الْمُؤْمِنُونَ عَنْهَا بأعمالهم، فأولهم كلمح الْبَصَر، ثمَّ كَالرِّيحِ ثمَّ كحضر الْفرس، ثمَّ كشد الرجل، ثمَّ كالماشي.
وَعَن ابْن ميسرَة أَنه كَانَ يدْخل دَاره فيبكي، فَيُقَال لَهُ: مَا يبكيك؟ فَيَقُول: الله تَعَالَى أَنبأَنَا أَنا نرد النَّار، وَلم ينبئنا أَنا صادرون عَنْهَا.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ:
| " حق لِابْنِ آدم أَن يبكي | وَذكر نَحوا من هَذَا ". |
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة هم الْكفَّار. هَذَا قَول عِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير. وقرىء فِي الشاذ: " وَإِن مِنْهُم إِلَّا واردها ". وعَلى هَذَا كثير من أهل الْعلم، وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى:
إِن الَّذين سبقت لَهُم من الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْوُرُود هُوَ الْحُضُور والرؤية دون الدُّخُول. وَهَذَا قَول الْحسن وَقَتَادَة، وَقد يذكر الْوُرُود بِمَعْنى الْحُضُور، قَالَ الله تَعَالَى:
وَلما ورد مَاء مَدين أَي: حضر. وَقَالَ زُهَيْر شعرًا:
| (وَلما وردن المَاء زرقا جمامه | تركن عصي الْحَاضِر المتخيم) |
صفحة رقم 307
وَالْقَوْل الرَّابِع، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها: الْقِيَامَة. وَقد استحسنوا هَذَا القَوْل لتقدم ذكر الْقِيَامَة.
وَالْقَوْل الْخَامِس: أَن الصِّرَاط.
وَفِي الْآيَة قَول سادس: رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: وُرُود النَّار هُوَ الْحمى فِي الدُّنْيَا.
وَفِي بعض المسانيد عَن النَّبِي أَنه عَاد رجلا من وعك - أبي: الْحمى - بِهِ، فَقَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: هِيَ نَارِي أُسَلِّطهَا على من شِئْت من الْمُؤمنِينَ، ليَكُون حَظه من نَار جَهَنَّم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " الْحمى (كي) من جَهَنَّم، وَهِي حَظّ الْمُؤمن من النَّار ".
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْحمى من فيح جَهَنَّم، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ".
وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من قدم من الْوَلَد لم يلج النَّار، إِلَّا تَحِلَّة الْقسم ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَنَّهَا تستعر على الْكفَّار، وتخمد تَحت أَقْدَام الْمُؤمنِينَ ".
روى خَالِد بن معدان عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يدْخل الله قوما من الْمُؤمنِينَ الْجنَّة،
صفحة رقم 308
كَانَ على رَبك حتما مقضيا (٧١) ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا (٧٢) وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَأحسن نديا (٧٣) وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (٧٤) قل من كَانَ فَيَقُولُونَ: ألم تعدنا رَبنَا أَن ندخل النَّار؟ فَقَالَ لَهُم: قد وردتموها وَهِي خامدة ".
وَقَوله: كَانَ على رَبك حتما مقضيا أَي: لَازِما يُصِيب بِهِ.
صفحة رقم 309
المؤلف
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر
1418 - 1997
الطبعة
الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء
1
التصنيف
التفسير
اللغة
العربية