ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

قوله : بِمَلْكِنَا قرأ الأخوان١ بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها والباقون بكسرها٢. فقيل : لغات بمعنى واحد٣ كالنَّقْضِ والنُّقضِ والنِّقْضِ٤، فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره٥ بينهما، فقال٦ : المضموم معناه : لم يكن مُلْكٌ فتُخْلِفُ موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرُّمة :

لاَ يُشْتَكَى سَقْطَةٌ مِنْهَا وَقَدْ رَقَصَتْ بِهَا المَفَاوِزُ حَتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ٧
أي لا يقع منها سَقْطَة فَتَشْتَكِي٨.
وفتح الميم مصدر من مَلَكَ أمره، والمعنى : ما فعلناه بأنَّا ملكنا الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كَثُر فيما تحوزه اليد وتحويه، ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها.
والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول٩ محذوف أي : بِمَلْكِنَا الصوابَ١٠. قوله : حُمِّلْنَا قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. ( والباقون بفتحها خفيفة الميم١١ )١٢. فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما١٣ الفعل إلى غيرهم١٤.
وفي الثالثة١٥ نسبوه إلى أنفسهم١٦ و " أَوْزَاراً " ١٧ مفعول ثان غير القراءة الثالثة١٨. و " مِنْ زِينَةِ " يجوز أن يكون متعلقاً١٩ ب " حُمِّلْنَا "، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل " أَوْزَاراً ".
وقوله :" فَكَذَلِكَ " نعت لمصدر٢٠ أو حال من ضميره عند سيبويه أي : إلقاء مثل إلقَائِنَا.

فصل


اختلفوا في القائل٢١ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا على وجهين :
فقيل : القائل هم الذين لم يعبدُوا العجلَ كأنهم قالوا : ما أخلَفْنَا موعدَك بأمرٍ كُنَّا نملكه، وقد يضيف٢٢ الرجل فعل قرينه إلى نفسه، كقوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ٢٣ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ٢٤ وإن كان القائل٢٥ بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا : الشبهة قويت٢٦ على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه٢٧ ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم، لأنَّا٢٨ خفنا أن نصير سبباً لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة.
وقيل : هذا قول عبدة العِجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو٢٩ الذي أوقع الشبهة، فإنه٣٠ كان كالمالك لنا.
فإن قيل : كيف يُعْقَل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجلٍ يُعْرَف فسادُها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل٣١ رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك٣٢ الدين بسبب رجوع موسى -عليه السلام٣٣- وحده إليهم ؟
فالجواب٣٤ : هذا غير٣٥ ممتنع في حق البُلْهِ٣٦ من الناس.
ثم إنَّ القوم فروا من العذر٣٧ الحامل لهم٣٨ على ذلك الفعل فقالوا ولكنا٣٩ حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فمن قرأ بالتخفيف فالمعنى حملْنَا٤٠ في٤١ أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ بالتشديد فقيل : إن موسى -عليه السلام٤٢- أمرهم باستعاره الحُلِيّ والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حُليّ قوم فرعون.
وقيل : جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله.
وقيل : إنَّ الله تعالى حَمَّلَهُم ذلك، أي : ألزمهم حكم المغنم٤٣.
قيل : أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها لعيدهم٤٤.
وقيل : إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذَ البحر حُليَّهم فأخذوها وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوْزَاراً لذلك٤٥، لأنه يجب عليهم حفظها من غير٤٦ فائدة فكانت أوزاراً٤٧.
وقيل : سميت٤٨ أوزاراً لكثرتها وثقلها، والأوزار : الأثقال. وقيل المراد بالأوزار الآثام، والمعنى حُمِّلْنَا آثاماً، روي٤٩ أن هارون –عليه السلام٥٠ - قال إنها نجسة فتطهروا منها٥١، وقال السَّامِريّ إنَّ موسى احتبس عقوبة بالحُلِيّ. فيجوز أن يكونوا٥٢ أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان للشيء٥٣ الذي يلزمه رده هذا كله إثمٌ وذنبٌ.
وقيل : إنَّ ذلك الحِليّ كان للقبط يتزينون به في مجامع٥٤ لهم يجري فيها الكفر، فلذلك٥٥ وصف بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي٥٦.
وقوله : فَقَذَفْنَاهَا أي فَطَرَحْنَاهَا٥٧ في الحفيرة، وذلك أن هارون قال لهم : إنَّ تلكَ غنيمةٌ لا تَحِلٌُّ فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا٥٨.
وقيل : قَذَفُوها في موضعٍ أمرهم السامريُّ بذلك٥٩.
وقيل : في موضعٍ جمع فيه النار، ثم قالوا : وكذلك ألقى السامري ما معه من الحُلِيّ فيها٦٠.
١ وهما حمزة والكسائي..
٢ انظر السبعة (٣٣٢، ٤٢٣) الحجة لابن خالويه (٤٤٦)، الكشف ٢/١٠٤ النشر ٢/٣٢١ – ٣٢٢، الإتحاف (٣٠٦)..
٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٧٥، التبيان ٢/٩٠٠، البحر المحيط ٦/٢٦٨، وانظر أيضا اللسان (ملك)..
٤ في ب: كالبغض والنقض. وهو تحريف. والنقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء. انظر اللسان (نقض)..
٥ وهم مكي، وابن الأنباري، والعكبري. انظر الكشف ٢/١٠٤، ومشكل إعراب القرآن ٢/٧٥، البيان ٢/١٥٢، التبيان ٢/٩٠٠، ٩٠١..
٦ في ب: فقيل..
٧ البيت من بحر البسيط قاله ذو الرُّمة وهو ديوانه (١/٤٤)، تفسير ابن عطية ١٠/٧٤، البحر المحيط ٦/٢٦٨. السَّقطة: السقوط والعثرة. المفاوز: جمع مفازة. وهي الصحراء التي لا ماء فيها. الحَدَب: خروج الظهر، ودخول البطن والصدر..
٨ في ب: فتشكوا. وهو تحريف..
٩ في ب: والمصدر. وهو تحريف..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٨..
١١ انظر السبعة (٤٢٣)، الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٤ النشر ٢/٣٢٢، الإتحاف (٣٠٦)..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ في ب: فيها..
١٤ أي أنهم بنوا الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٤..
١٥ في الأصل: وفي الثانية، وفي ب: وفي الثالث..
١٦ ببناء الفعل للمعلوم. الحجة لابن خالويه (٢٤٦)، الكشف ٢/١٠٥..
١٧ في ب: أوزارا..
١٨ "حملنا" عدِّي بالتضعيف إلى مفعولين، وبني للمفعول، فالضمير المتصل نائب فاعل، و"أوزارا" مفعول ثان. أما على القراءة الثالثة فالضمير المتصل فاعل، و"أوزارا" مفعول به، فالفعل متعد إلى مفعول واحد..
١٩ في ب: متعلق. وهو تحريف..
٢٠ محذوف أي إلقاء مثل ذلك، قاله مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/٨٥ وأبو البقاء في التبيان ٢/٩٠١..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٢ -١٠٣..
٢٢ في ب: يضف. وهو تحريف..
٢٣ [البقرة: ٥٠]..
٢٤ [البقرة: ٧٢]..
٢٥ في الفخر الرازي: الفاعل..
٢٦ في ب: قرينة. وهو تحريف..
٢٧ في ب: منه..
٢٨ في ب: لأني. وهو تحريف..
٢٩ هو: سقط من ب..
٣٠ في ب: كأنه. وهو تحريف..
٣١ في ب: يمكن..
٣٢ في ب: هذا..
٣٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٤ في ب: والجواب..
٣٥ غير: سقط من ب..
٣٦ الأبله: هو الذي لا عقل له. اللسان (بَلَهَ)..
٣٧ في ب: الفرار. وهو تحريف..
٣٨ في ب: عليهم ولهم. ولا معنى لها..
٣٩ في ب: إنا. وهو تحريف..
٤٠ حُمّلنا: سقط من الأصل..
٤١ في الأصل: مع..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٢ – ١٠٣..
٤٤ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٤٥ في ب: لغير..
٤٦ في ب: أثقالا..
٤٧ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٤٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٤٩ في ب: فصل روي..
٥٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥١ في الأصل: منه. وهو تحريف..
٥٢ في ب: أن يكون قد. وهو تحريف..
٥٣ في ب: وقد يقال للإنسان. وهو تحريف..
٥٤ في ب: جامع. وهو تحريف..
٥٥ في ب: فكذلك. وهو تحريف..
٥٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٥٧ في ب: أي طرحناها..
٥٨ انظر البغوي ٥/٤٥١..
٥٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٣..
٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٠٣.
.

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية