قوله :«لاهيةً » يجوز١ أن تكون حالاً من فاعل «اسْتَمَعُوهُ » عند من يجيز٢ تعدد الحال٣، فيكون الحالان مترادفين٤.
وأن يكون حالاً من فاعل «يلعبون » فيكون الحالان متداخلين٥ وعبر الزمخشري عن ذلك فقال : وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ حالان مترادفان أو متداخلتان٦ وإذا جعلناهما حالين مترادفين ففيه تقديم الحال غير الصريحة على الصريحة٧ وفيه من البحث ما في باب النعت٨.
( و «قلوبهم » مرفوع ب «لاَهِيَةً » )٩ ١٠.
وقال البغوي :«لاَهِيَة » نعت تقدم١١ الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، فإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان فصل ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى خاشِعاً أَبْصَارُهُمْ ١٢ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا ١٣ و لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ، وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله : أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ١٤ ١٥ والعامة على «لاَهِيَة »، وابن أبي عبلة على الرفع١٦ على أنها خبر ثان لقوله «وهُمْ » عند من يُجوِّز ذلك، أو خبر مبتدأ محذوف عند من لا يجوّزه١٧.
قوله : وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ يجوز في محل «الذين » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل من ( واو ) «أسَرُّوا »١٨ تنبيهاً على اتصافهم بالظلم الفاحش وعزاه ابن عطية لسيبويه١٩، وغيره للمبرد٢٠.
الثاني : أنه فاعل، والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل٢١ كما تدل التاء على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون : قاما أخواك٢٢ وأنشدوا :
| ٣٧٠٤- يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخ | خِيلِ أَهْلِي وَكُلُّهُمُ أَلُوَمُ٢٣ |
وتقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ٢٨.
الثالث : أن يكون «الذين » مبتدأ «وأسَرُّوا » جملة خبرية قدمت على المبتدأ ويعزى للكسائي٢٩.
الرابع : أن يكون «الذين »٣٠ مرفوعاً بفعل مقدر فقيل تقديره : يقول الذين٣١، واختاره النحاس، قال : والقول كثيراً ما يضمر، ويدل عليه قوله بعد ذلك : هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ٣٢. وقيل : تقديره : أسرها الذين ظلموا٣٣.
الخامس : أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره : هم الذين ظلموا٣٤.
السادس : أنه مبتدأ وخبره الجملة من قوله : هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ ( ولا بد من إضمار القول على هذا القول تقديره : الذين ظلموا يقولون هل هذا إلا بشر )٣٥ والقول يضمر كثيراً٣٦. والنصب من وجهين :
أحدهما : الذم٣٧.
والثاني : إضمار «أعني »٣٨.
والجرّ من وجهين أيضاً :
أحدهما : النعت٣٩.
والثاني : البدل من «للناس »٤٠، ويعزى هذا للفراء٤١، وفيه بعد٤٢.
قوله :«هَلْ هذَا » إلى قوله :«تُبْصِرونَ » يجوز في هاتين الجملتين الاستفهاميتين أن تكونا في محل نصب بدلاً من «النَّجْوَى » وأن تكونا٤٣في محل نصب بإضمار القول. قالهما الزمخشري٤٤.
وأن تكونا في محل نصب على أنهما محكيتان ب «النَّجْوَى »، لأَنها٤٥ في معنى القول٤٦ «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ » جملة حالية من فاعل «تَأْتُونَ ».
فصل٤٧
اعلم أن الله -تعالى- ذم الكفار بهذا الكلام، وزجر غيرهم عن مثله، لأنهم إذا استمعوا وهم يلعبون لم يحصلوا إلى على مجرد الاستماع الذي قد تشارك٤٨ فيه البهيمة الإنسان، ثم أكد ذمهم بقوله :«لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ » واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى : إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ٤٩ تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة والسخرية والاستهزاء مُعَلَّل باللهو الذي معناه الذهول، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق٥٠.
وقوله :«وَأسَرُّوا النَّجْوَى » فيه سؤال، وهو أن النجوى اسم من التناجي، وهو لا يكون إلا خفية، فما معنى قوله :«وَأَسَرُّوا » ؟
فالجواب : أنهم بالغوا في إخفائها، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم٥١.
فإن قيل : لِمَ قال : وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ؟
فالجواب : أن إبدال «الَّذِينَ ظَلَمُوا » من «أسَرُّوا » إشعار بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء٥٢ على لغة من قال : أكلوني البراغيث٥٣ وقوله : هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ قال الزمخشري : هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من «النَّجْوَى » أي : وَأسروا هذا الحديث٥٤، وهو قولهم : هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ . ويحتمل أن يكون التقدير : وَأَسروا النجوى وقالوا هذا الكلام٥٥ وإِنما أسروا هذا الحديث لوجهين :
أحدهما : إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم٥٦ أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني٥٧ : يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا٥٨ لرسول الله والمؤمنين : إن كان ما٥٩ تدعونه حقاً ( فَأخْبِرُونا بما أسررناه )٦٠ ٦١.
واعلم أنهم طعنوا في نبوته٦٢ -عليه السلام٦٣- بأمرين :
أحدهما : أنه بشر مثلهم.
والثاني : أن الذي أتى به سحر.
وكلا٦٤ الطعنين فاسد، أما الأول، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور، إذ لو أرسل الملك إليهم لما علم كونه نبياً بصورته، وإنما كان يعلم بالعلم، فإذا أظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى٦٥ أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً، لأن المرء إلى القبول من أشكاله٦٦ أقرب، وهو به أقيس. وأما الثاني وهو أن ما أتى به الرسول من القرآن ظاهره الوعيد لا مرية فيه، ولا لبس، وقد كان عليه السلام٦٧ يتحداهم بالقرآن مدة من الزمان حالاً بعد حال، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره، وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن، فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلَّنا ذلك على أنه في نفسه معجز، وأنهم عرفوا حاله٦٨ فكيف يجوز أن يقال : إنه سحر والحال ما ذكرناه وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه إلا أنهم كانوا يموهمون على ضعفائهم بمثل هذا القول، وإن كانوا فيه مكابرين٦٩. والمعنى :«أفَتَأْتُونَ » تحضرون «السِّحْرَ وَأَنْتُم » تعلمون أنه سحر٧٠ ٧١.
٢ في ب: يخبر. وهو تحريف..
٣ يجوز تعدد الحال لمفرد وغيره، لشبهها بالخبر والنعت، فالأول كقول الشاعر:
| علي إذا ما جئت ليلى بخفية | زيارة بيت الله رجلان حافيا |
| خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا | على أثرينا ذيل مرط مرحّل |
انظر شرح التصريح ١/٣٨٥-٣٨٧..
٤ الحال المترادفة هي الحال المتعددة، وهي التي تتعدد لواحد.
(المغني ٢/٥٦٤). فالحالان قوله: "وهم يلعبون. لاهية" صاحبهما فاعل "استمعوه" وعاملهما الفعل..
٥ الحال المتداخلة هي التي تكون من ضمير الحال الأول (المغني ٢/٥٦٤). فالحالان قوله "وهم يعلبون. لاهية) فـ"هم يلعبون" حال من فاعل استمعوه "ولاهية" حال من فاعل "يلعبون". انظر البيان ٢/١٥٧. التبيان ٣/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٦ الكشاف ٣/٢-٣..
٧ أي تقديم الحال الجملة وهي قوله: "وهم يلعبون" على الحال المفردة وهي "لاهية"..
٨ تقدم قريبا..
٩ لأن اسم الفاعل إذا وقع حالا ارتفع الاسم به ارتفاع الفاعل بفعله. انظر البيان ٢/١٥٧-١٥٨..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ في الأصل: تقديم..
١٢ من قوله تعالى: خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر [القمر: ٧] "خاشعا" قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي السبعة (٦١٨)..
١٣ [الإنسان: ١٤]..
١٤ [النساء: ٧٥]..
١٥ البغوي ٥/٤٧٤..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٦..
١٧ كابن عصفور فإنه قال: (ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف إلا بشرط أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد، نحو قولهم: هذا حلو حامض أي: مز) المقرب ٩٢-٩٣.
وانظر شرح التصريح ١/١٨٢..
١٨ مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، الكشاف ٣/٣، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١..
١٩ قال سيبويه: (وأما قوله جل ثناؤه: "وأسروا النجوى الذين ظلموا" فإنما يجيء على البدل) الكتاب ٢/٤١. وانظر تفسير ابن عطية ١٠/١٢٣..
٢٠ كأبي حيان: انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٢١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، الكشاف ٣/٣، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١..
٢٢ حكى هذه اللغة سيبويه فإنه قال: (واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذه بالتاء التي يظهرونها في قالت فلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث وهي قليلة) الكتاب ٢/٤٠..
٢٣ البيت من بحر المتقارب قاله أمية بن أبي الصلت. وقد تقدم..
٢٤ قال الأخفش: ("وأسروا النجوى" كـأنه قال: وأسروا ثم فسره بعد ذلك فقال هم "الذين ظلموا" أو جاء على لغة الذين يقولون "ضربوني قومك" معاني القرآن ٢/٦٣٢..
٢٥ قال أبو عبيدة: (وقال آخرون: بل قد تفعل العرب هذا فيظهرون عدد القوم في فعلهم إذا بدءوا بالفعل قال أبو عمرو الهذلي: أكلوني البراغيث بلفظ الجميع في الفعل وقد أظهر الفاعلين بعد الفعل ومجازه مجاز ما يبدأ بالمفعول قبل الفاعل، لأن النجوى المفعولة جاءت قبل الذين أسروها، والعرب قد تفعل ذلك). مجاز القرآن ٢/٣٤..
٢٦ في ب: ونسبها..
٢٧ وعزيت أيضا لطيء. انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧، شرح التصريح ١/٢٥٧..
٢٨ [المائدة: ٧١]. انظر اللباب ٣/٣٠٠-٣٠١..
٢٩ انظر الكشاف ٣/٣، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٠ الذين: سقط من ب..
٣١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، القرطبي ١١/٢٦٩، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٢ إعراب القرآن ٣/٦٤..
٣٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٤ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٦ انظر البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١..
٣٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٨ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٤، مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٩ "للناس" مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١ البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤١ قال الفراء: (و"الذين" تابعة "للناس" مخفوضة، كأنك قلت: اقترب للناس الذين هذه حالهم) معاني القرآن ٢/١٩٨..
٤٢ لأنه يفيد قصر اقتراب الحساب للظالمين مع أن اقتراب الحساب للناس جميعا ولذلك قال أبو حيان: (وهو أبعد الأقوال) البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٣ في ب: أن تكون. وهو تحريف..
٤٤ الكشاف ٣/٣..
٤٥ في ب: لأنهما. وهو تحريف..
٤٦ فهما في موضع نصب على المفعول بـ"النّجوى" والاستفهام في الجملة الأولى معناه التعجب، وفي الجملة الثانية معناه التوبيخ انظر: البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٧ هذا الفصل نقله ابن عادل من الفخر الرازي ٢٢/١٤١. بتصرف يسير..
٤٨ في ب: شارك. وهو تحريف..
٤٩ من قوله تعالى: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم [محمد: ٣٦]..
٥٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٥١ في ب: والثاني..
٥٢ أو: سقط من ب..
٥٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٥٤ الكشاف ٣/٣..
٥٥ أي أنه في محل نصب على إضمار القول. انظر الكشاف ٣/٣..
٥٦ هدم: تكملة من الفخر الرازي..
٥٧ في ب: والثاني..
٥٨ في النسختين: ثم يقولون. والصواب ما أثبته لأنه معطوف على (يسروا)..
٥٩ في ب: مما. وهو تحريف..
٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦١ ما بين القوسين في الأصل: فإنا أسررناه. وفي ب: فأما أسررناه والتصويب من الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٤ في ب: وكل. وهو تحريف..
٦٥ في ب: أولى..
٦٦ في ب: إمكانه. وهو تحريف..
٦٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٨ في ب: حال. وهو تحريف..
٦٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣١-١٤٢..
٧٠ انظر البغوي ٥/٤٧٥..
٧١ ما بين القوسين في الأصل: أنه ليس بسحر. وفي ب: أنه ليس سحر والتصويب من البغوي..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود