ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

فاستجبنا لَهُ دعاءه وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى . وقد تقدّم مستوفى في سورة مريم وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ . قال أكثر المفسرين : إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً. فهذا هو المراد بإصلاح زوجه. وقيل : كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها، فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية، وجملة : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخيرات للتعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير المذكور راجع إليهم، وقيل : هو راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى. ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم كانوا يدعونه رَغَباً وَرَهَباً أي يتضرّعون إليه في حال الرّخاء وحال الشدّة، وقيل الرغبة : رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب : رفع ظهورها، وانتصاب رغباً ورهباً على المصدرية أي : يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو على العلة أي للرّغب والرّهب، أو على الحال، أي راغبين وراهبين. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ويدعونا » بنون واحدة، وقرأ الأعمش بضم الراء فيهما وإسكان ما بعده، وقرأ ابن وثاب بفتح الراء فيهما مع إسكان ما بعده، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بفتح الراء وفتح ما بعده فيهما وَكَانُوا لَنَا خاشعين أي : متواضعين متضرّعين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ قال : كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : وهبنا له ولدها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى، وفي قوله : وَكَانُوا لَنَا خاشعين قال : أذلاء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً قال : رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً قال :( رغباً هكذا ورهباً هكذا وبسط كفيه )، يعني : جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن حكيم قال : خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خاشعين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً قال : إن هذا دينكم ديناً واحداً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله : وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قال : تقطعوا : اختلفوا في الدين. وأخرج الفريابي وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها قال : وجب إهلاكها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قال : لا يتوبون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ :«وَحَرَّمَ على قَرْيَةٍ» قال : وجب على قرية أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ كما قال : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [ يس : ٣١ ]. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : من كُلّ حَدَبٍ قال : شرف يَنسِلُونَ قال : يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا كثير فائدة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية