كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قرأ العامة «كُتِبَ» مبنياً للمفعول، وفتح «أَنّ» في الموضعين(١٢).
وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أن(١) «أَنَّه » وما في حيزه في محل نصب لقيامه مقام الفاعل(٢)، فالهاء في «عَلَيْه »، وفي «أَنَّه » تعودان على «من » المتقدمة(٣). و «مَنْ » الثانية يجوز أن تكون شرطية، والفاء جوابها، وأن تكون موصولة والفاء زائدة في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط(٤)، وفتحت «أن » الثانية، لأنها وما في حيزها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره : فشأنه وحاله أنه يضله، أو يقدر «فَأَنَّه » مبتدأ والخبر محذوف أي : فله أنه يضله(٥).
الثاني : قال الزمخشري : ومن فتح(٦) فلأن الأول فاعل كتب، والثاني عطف عليه(٧).
قال أبو حيان : وهذا لا يجوز ؛ لأنك إذا جعلت «فَأَنَّه » عطفاً على «أنه » بقيت «أنه » بلا استيفاء خبر، لأن «من تولاه » «من » فيه مبتدأة فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل(٨) خبراً ل «أَنَّه »، وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها، إذ جعلت «فأنه » عطفاً على «أنه(٩) ». قال شهاب الدين : وقد ذهب ابن عطية إلى مثل قول الزمخشري فإنه قال : و «أنه » في موضع رفع ( على المفعول الذي لم يسم فاعله.
و «أنه » الثانية عطف على الأولى مؤكد(١٠) وهذا رد واضح(١١). وقرئ «كُتِبَ » مبنياً للفاعل، أي : كتب الله(١٢)، ف ( أن ) وما في حيزها في محل نصب(١٣) ) على المفعول به، وباقي الآية على ما تقدم.
وقرأ الأعمش والجعفي(١٤) عن أبي عمرو «إنه، فإنه »(١٥) بكسر الهمزتين(١٦).
وقال ابن عطية : وقرأ أبو عمرو «إنه، فإنه » بالكسر فيهما(١٧) وهذا يوهم أنه مشهور عنه، وليس كذلك(١٨). وفي تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه، ذكرها(١٩) الزمخشري :
الأول : أن يكون على حكاية المكتوب كما هو، كأنه قيل : كتب عليه هذا اللفظ، كما تقول : كتب عليه إن الله هو الغني الحميد.
الثاني : أن يكون على إضمار قيل.
الثالث : أن «كتب » فيه معنى قيل(٢٠).
قال أبو حيان : أمّا تقدير قيل يعني فيكون «عليه » في موضع مفعول ما لم يسم فاعله، و «أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّه » الجملة مفعول لم يسم لقيل المضمر، وهذا ليس مذهب البصريين فإن الجملة عندهم لا تكون فاعلاً فلا تكون مفعول ما لم يسم فاعله(٢١). وكان أبو حيان قد اختار ما بدأ به الزمخشري أولاً(٢٢)، وفيه ما فَرَّ منه وهو أنه أسند الفعل إلى الجملة فاللازم مشترك، وقد تقدم تقرير مثل هذا في أول البقرة(٢٣). ثم قال : وأما الثاني يعني أنه ضمن «كُتِبَ » معنى القول-، فليس مذهب البصريين، لأنه لا تكسر «أن » عندهم إلا بعد القول الصريح، لا ما هو بمعناه(٢٤). والضميران في «عَلَيه » و «أَنَّه » عائدان على «مَنْ » الأولى كما تقدم، وكذلك الضمائر في «تَوَلاَّه » و «فَأَنَّه » والمرفوع في «يضله ويهديه » لأن من الأولى هو(٢٥) المحدث عنه(٢٦) والضمير المرفوع في «تولاه » والمنصوب في «يضله ويهديه » عائد على «من » الثانية(٢٧).
وقيل : الضمير في «عليه » ل «كُلَّ شَيْطَانٍ(٢٨) »، والضمير في «فَأَنَّه » للشأن(٢٩).
وقال ابن عطية : الذي يظهر لي أن الضمير الأول في «أنه » يعود على «كُلَّ شَيْطَانٍ » وفي «فأنه » يعود على «من » الذي هو المتولى. (٣٠)
فصل(٣١)
قيل : معنى «كُتِبَ عَلَيْه » مثل، أي : كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه لظهور ذلك في حاله. وقيل : كتب(٣٢) عليه في أم الكتاب. واعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون راجعاً إلى «مَنْ يُجَادِلُ »، وأن يرجع إلى الشياطين. فإن رجع إلى «مَنْ يُجَادِلُ » فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد فكأنه قال : كتب : من يتبع الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه، فكأنه قال : كتب على من هذا حاله أن يصير أهلاً لهذا الوعد. وإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يتولاه فهو ضال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه.
٢ انظر البيان ٢/ ١٦٨، التبيان ٢/ ٩٣٢، البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٣ انظر البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٤ انظر البيان ٢/ ١٦٨، التبيان ٢/ ٩٣٢، البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٥ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/ ٩١ – ٩٢، البيان ٢/ ١٦٨، التبيان ٢/ ٩٣٢، البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٦ في ب: يفتح وهو تحريف..
٧ الكشاف ٣/ ٢٥، وقد سبقه الزجاج حيث ذكر هذا الوجه في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤١١، فإنه قال (فأنه يضله) عطف عليه، وموضعه رفع أيضا) ورد عليه مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٩١، بأنه لا يجوز العطف على "أن" الأولى إلا بعد تمامها، لأن ما بعدها من صلتها، إذ أن "من" في قوله "من تولاه" شرط والفاء جواب الشرط والشرط وجوابه في هذه الآية هما خبر "أن" الأولى..
٨ في ب: يشتغل..
٩ البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
١٠ تفسير ابن عطية ١١/ ٢٢٧ وقد سبقه الزجاج فإنه ذكر في معاني القرآن وإعرابه (وحقيقة "أن" الثانية أنها مكررة مع الأولى على جهة التوكيد، لأن المعنى كتب عليه أنه من تولاه أضله) ٣/ ٤١١، وقول الزجاج هذا جاء بعد قوله: ("فأنه يضله" عطف عليه). ورد عليه مكي هذا الوجه بقوله: (كيف تكون للتأكيد والمؤكد لم يتم؟ وإنما يصلح التأكيد بعد تمام المؤكد، وتمام "أن" الأولى عند قوله: "السعير"). مشكل إعراب القرآن ٢/ ٩١. وذكر هذا الوجه أيضا ابن الأنباري وضعفه من وجهين الأول: كما ذكر مكي بأن التوكيد لا يكون إلا بعد تمام الموصول بصلته كالعطف. والثاني: أن الفاء قد دخلت بين "أن" الأولى والثانية، والفاء لا تدخل بين المؤكد والمؤكد، وقد وجد هنا، فينبغي ألا يكون توكيدا. انظر البيان ٢/ ١٦٨ – ١٦٩..
١١ الدر المصون ٥/ ٦٤..
١٢ انظر التبيان ٢/ ٩٣٢ البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
١٣ ما بين القوسين سقط من ب..
١٤ تقدم..
١٥ في ب: وإنه، وهو تحريف..
١٦ المختصر (٩٤) البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
١٧ تفسير ابن عطية : ١/ ٢٢٧..
١٨ أي: أنه ليس مشهورا عن أبي عمرو، والظاهر أن ذلك من إسناد "كتب" إلى الجملة إسنادا لفظيا، أي: كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتب: إن الله يأمر بالعدل. البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
١٩ في الأصل: ذكر. وهو تحريف..
٢٠ الكشاف: ٣/ ٢٥، ولم يذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة غير الوجه الثاني قال: (وقرئ بالكسر فيها حملا على معنى قيل له) التبيان ٢/ ٩٣٢..
٢١ البحر المحيط ٦/ ٣٥١. بتصرف يسير. وقد سبق أن ذكرت الاختلاف في الفاعل ونائبه هل يكونان جملة أم لا؟.
٢٢ حيث قال: (والظاهر أن ذلك من إسناد "كتب" إلى الجملة إسنادا لفظيا أي كتب عليه هذا الكلام كما تقول كتب إن الله يأمر بالعدل) البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٢٣ عند قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} الآية (١١)، انظر اللباب ١/ ٦٢ – ٦٣..
٢٤ انظر البحر المحيط ٦/ ٣٥١ بتصرف يسير..
٢٥ في ب: وهو..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٢٧ المرجع السابق..
٢٨ انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٥، البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٢٩ انظر البيان ٢/ ١٦٨، البحر المحيط ٦/ ٣٥١..
٣٠ تفسير ابن عطية ١٠/ ٢٢٧..
٣١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/ ٦ – ٧ بتصرف يسير..
٣٢ كتب: سقط من الأصل..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود