ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

ثم يقول تعالى :
وقوم إبراهيم وقوم لوط ( ٤٣ ) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ( ٤٤ ) :
نلحظ هنا أن الحق سبحانه ذكر المكذبين، إلا في قصة موسى فذكر المكذب، فلم يقل : وقوم موسى بل قال : وكذب موسى، لماذا ؟ قالوا : لأن مهمته كانت أصعب حيث تعرض في دعوته لمن ادعى الألوهية ذاتها.
وقوله تعالى : فأمليت للكافرين ثم أخذتهم.. ( ٤٤ ) [ الحج ] : أمليت : أمهلت حتى ظنوه إهمالا، وهو إمهال بأن يمد الله لهم، ويطيل في مدتهم، لا إكراما لهم، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخذ عزيز مقتدر، وفي آية أخرى يوضح لنا هذه البرقية المختصرة، فيقول سبحانه :
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما.. ( ١٧٨ ) [ آل عمران ].
وفي هذا المعنى يقول أيضا : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ( ٥٥ ) [ التوبة ].
إذن : لا تغتر بما في أيديهم، لأنه فتنة، حتى إذا أخذهم الله كانت حسرتهم أكبر، فمن عدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها، ولا يألم لفقدها.
وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول، وكان أحد معارضيه يشتمه ويتطاول عليه، لكن فوجئ الجميع بأنه يوليه منصبا مرموقا في القاهرة، فتعجب الناس وسألوه في ذلك فقال : نعم، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو والمنزلة حتى يتحسر عليها حين تسلب منه، وتكون أنكى له. يعني : يرفعه إلى أعلى حتى يهوي على رقبته، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة مثلا ؟.
ثم يقول تعالى : فكيف كان نكير ( ٤٤ ) [ الحج ] : الحق سبحانه يلقي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به. والمراد : أعاقبناهم بما يستحقون ؟
والنكير : هو الإنكار على شخص بتغيير حاله من نعمة إلى نقمة، كالذي يكرمك ويواسيك ويبش في وجهك ويغدق عليك، ثم يقطع عنك هذا كله، فتقول : لماذا تنكر لي فلان ؟ يعني : قطع عني نعمته.
وكأن الحق- تبارك وتعالى- يريد أن ينتزع منا الإقرار بقدرته تعالى على عقاب أعدائه ومكذبي رسله، وهذا المعنى جاء أيضا في قوله تعالى : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ( ٢٩ ) وإذا مروا بهم يتغامزون ( ٣٠ ) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ( ٣١ ) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ( ٣٢ ) وما أرسلوا عليهم حافظين ( ٣٣ ) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ( ٣٤ ) على الأرائك ينظرون ( ٣٥ ) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ( ٣٦ ) [ المطففين ] : يعني : هل جوزي الكفار بما عملوا ؟ وهل استطعنا أن نعاقبهم بما يستحقون من العذاب ؟.
فكيف كان نكير ( ٤٤ ) [ الحج ] : أي : إنكاري لموقفهم من عدم أداء حقوق النعمة فبدلها الله عليهم نقمة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير