ذلك أي : الأمر المقرّر من صفات الله تعالى الذي قصصناه عليك ومن عاقب أي : جازى من المؤمنين بمثل ما عوقب به ظلماً من المشركين أي : قاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام ثم بغي عليه أي : ظلم بإخراجه من منزله، قال مقاتل : نزلت في قوم من المشركين أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من محرم، فقال بعضهم لبعض : إنّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون وكرهوا قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال لأجل الشهر الحرام، فأبى المشركون، فقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصرهم الله تعالى عليهم فذلك قوله تعالى : لينصرنّه الله أي : الذي لا كفء له إنّ الله أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً لعفو عن المؤمنين غفور لهم.
فإن قيل : لم سمى ابتداءً فعلهم عقوبة مع أن العقاب من العقب وهو منتف في الابتداء ؟ أجيب : بأنه أطلق عليه ذلك للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى، ٤٠ ] يخادعون الله وهو خادعهم [ النساء، ١٤٢ ]، وكما في قوله : كما تدين تدان.
فإن قيل : كيف طابق ذكر العفو الغفور في هذا الموضع مع أنّ ذلك الفعل جائز للمؤمنين ؛ لأنهم مظلومون ؟ أجيب : بأن المنتصر لما اتبع هواه في الانتقام، وأعرض عما ندب الله تعالى له بقوله تعالى : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى، ٤٣ ] وبقوله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله [ الشورى، ٤٠ ] وبقوله تعالى : وأن تعفو أقرب للتقوى [ البقرة، ٢٣٧ ]، فكان في إعراضه عما ندب إليه نوع إساءة أدب فكأنه تعالى قال : عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها له، فإني أنا الذي أذنت له فيها، وفي ذكر العفو تنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضدّه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني