ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله
بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا.. فقال : ذلك قال الزجاج : أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد.. ١ ؛ ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله والذي يدفع عن نفسه وعمن وعما شرع له أن يدفع عنه، ويجازي الجاني بمثل ما جنى به عليه، أذن له من الله تعالى أن يدافع فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق والملابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ؛ ثم بغي عليه أي ثم كان المجازي مبغيا عليه، أي مظلوما، ومعنى ثم تفاوت الرتبة، لأن كونه مبدوءا بالقتال معه نوع ظلم، كما قيل : البادئ أظلم، وهو موجب لنصرته ظاهرا، إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوما هو السبب الأصلي في النصرة ٢ [ يقول تعالى ذكره : إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحق، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به، غير معاقبه عليه ]٣.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ربنا خير الناصرين، وولي المتقين، لا يفوته ولا يعجزه أن يخذل الباغين، لأنه سبحانه قادر على تغليب بعض المخلوقات على بعض، ويدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل ؛ وفعل ذلك أيضا بأنه وعى سمعه كل ما يقولون لا يخفى عليه منه شيء، وأنه جل ذكره وتبارك اسمه يرى كل شيء، ومنه ما يعملونه، لا يغيب عن بصره مرئي ولا عمل ؛ ذلك ـ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقيقة منحصرة في ذاته، وأن وجود غيره ولاسيما الأوثان موسوم بالبطلان.. ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا ؛.....
ثم ذكر أنواعا أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال : ألم تر قيل : هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات ؛ وقيل : بمعنى العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها ؛ وفي قوله : فتصبح دون أن يقول : فأصبحت مناسبا لـ أنزل إشارة إلى بقاء أثر المطر زمانا طويلا....
ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة ؛ وهذا قول أبي مسلم إن الله لطيف خبير قال الكلبي : لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه ؛ وقال مقاتل : لطيف باستخراج النبت ؛ خبير بكيفية خلقه ؛ وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط... ثم بين أن كل ما في السماوات والأرض مِلكه ومُلكه لا يمتنع شيء من تصرفاته وهو غني عن كل ذلك، وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها، ومنها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاما عليها، وإذا كان إنعامه خاليا عن عرض عائد إليه كان مستحقا للحمد، بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون ؛ من جملة نعم الله تعالى على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم فلا أصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار، وقد سخرها للإنسان، وسخر لهم الأنعام أيضا ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها... وسخر لهم الدواب وغيرها، وسخر لهم الفلك حال كونها جارية بأمره، وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها، ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمنّ الله تعالى.. بأن حفظها كيلا تقع.. وذلك بمحض الاقتدار،... وفي قوله : إلا بإذنه إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض ؛... ثم ذكر الإنسان، مبدأه ومعاده فقال : وهو الذي أحياكم ؛ نظيره قوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم.. )٤ـ٥ ؛ أحيانا الله تعالى بعد موات، ونفخ فيمن شاء أن يحييه الروح ؛ ثم يميت الحي الذي لا يموت ـ يميت كل مخلوق عند انقضاء أجله الذي قدره سبحانه له، ثم يحيي الموتى يوم البعث ؛ { إن الإنسان لكفور جنس الإنسان مبالغ في الجحود والكفران، لآلاء وجلال ووحدانية الملك الديان ؛ وهذا وصف لبعض أفراد البشر ؛ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه هو كقول المولى تبارك اسمه :.. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. )٦ ؛ وكقوله جل وعز :{ لكم دينكم ولي دين )٧ ؛ { فلا ينازعنك في الأمر النهي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، أي :.. لا يغالبنكم في أمر ملتكم فيزيلوكم عنها، فمن يزحزح عن صراط الإسلام السوي، ويميل إلى غير سبيل المؤمنين فليس من الله في شيء، ولقد جاء الذي ها هنا مؤكدا بنون التوكيد الثقيلة٨، بينما وصف القرآن أولياء الشيطان المفتونين عن الرشد المرتدين عن الحق بأنهم خسروا الدنيا والآخرة بسبب مطاوعتهم لأعداء الدين في شيء من ضلالهم المبين ؛ جاء في التحذير والتنفير قول الله العلي الكبير :{ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم )٩
وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون إلى مثل هذا نودي النبي صلى الله عليه وسلم ونودي كل فرد من أمته :{ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.. )١٠ ؛ وجاء القول الحق من الله الحق :{.. لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير. والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان.. )١١ ؛ وهكذا فالهدى القرآني السوي يحملنا أمانة الدعوة إلى الله جل ذكره، مع اليقين بأنها أقوم سبيل، ويعهد إلينا بترك الانشغال بمراء السفهاء والجهال، مع إنذارهم ساعة الحساب والسؤال، ثم الجزاء الذي يخلد المبطل في سوء المآل وعذاب النكال ؛ وسنن الكتاب المجيد أن يمسكنا بالدعوة إلى الرشد، دون أن يعوقنا لغو أو تثبيط أهل الكيد ؛ كما قال ربنا تبارك اسمه { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك.. )١٢



١ ما بين العارضتين من تفسير غرائب القرآن..
٢ ما بين العارضتين من تفسير القرآن العظيم..
٣ ما بين العلامتين [ ] من جامع البيان..

ربنا خير الناصرين، وولي المتقين، لا يفوته ولا يعجزه أن يخذل الباغين، لأنه سبحانه قادر على تغليب بعض المخلوقات على بعض، ويدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل ؛ وفعل ذلك أيضا بأنه وعى سمعه كل ما يقولون لا يخفى عليه منه شيء، وأنه جل ذكره وتبارك اسمه يرى كل شيء، ومنه ما يعملونه، لا يغيب عن بصره مرئي ولا عمل ؛ ذلك ـ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقيقة منحصرة في ذاته، وأن وجود غيره ولاسيما الأوثان موسوم بالبطلان.. ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا ؛.....
ثم ذكر أنواعا أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال : ألم تر قيل : هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات ؛ وقيل : بمعنى العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها ؛ وفي قوله : فتصبح دون أن يقول : فأصبحت مناسبا لـ أنزل إشارة إلى بقاء أثر المطر زمانا طويلا....
ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة ؛ وهذا قول أبي مسلم إن الله لطيف خبير قال الكلبي : لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه ؛ وقال مقاتل : لطيف باستخراج النبت ؛ خبير بكيفية خلقه ؛ وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط... ثم بين أن كل ما في السماوات والأرض مِلكه ومُلكه لا يمتنع شيء من تصرفاته وهو غني عن كل ذلك، وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها، ومنها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاما عليها، وإذا كان إنعامه خاليا عن عرض عائد إليه كان مستحقا للحمد، بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون ؛ من جملة نعم الله تعالى على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم فلا أصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار، وقد سخرها للإنسان، وسخر لهم الأنعام أيضا ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها... وسخر لهم الدواب وغيرها، وسخر لهم الفلك حال كونها جارية بأمره، وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها، ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمنّ الله تعالى.. بأن حفظها كيلا تقع.. وذلك بمحض الاقتدار، ... وفي قوله : إلا بإذنه إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض ؛... ثم ذكر الإنسان، مبدأه ومعاده فقال : وهو الذي أحياكم ؛ نظيره قوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم.. )٤ـ٥ ؛ أحيانا الله تعالى بعد موات، ونفخ فيمن شاء أن يحييه الروح ؛ ثم يميت الحي الذي لا يموت ـ يميت كل مخلوق عند انقضاء أجله الذي قدره سبحانه له، ثم يحيي الموتى يوم البعث ؛ { إن الإنسان لكفور جنس الإنسان مبالغ في الجحود والكفران، لآلاء وجلال ووحدانية الملك الديان ؛ وهذا وصف لبعض أفراد البشر ؛ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه هو كقول المولى تبارك اسمه :.. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. )٦ ؛ وكقوله جل وعز :{ لكم دينكم ولي دين )٧ ؛ { فلا ينازعنك في الأمر النهي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، أي :.. لا يغالبنكم في أمر ملتكم فيزيلوكم عنها، فمن يزحزح عن صراط الإسلام السوي، ويميل إلى غير سبيل المؤمنين فليس من الله في شيء، ولقد جاء الذي ها هنا مؤكدا بنون التوكيد الثقيلة٨، بينما وصف القرآن أولياء الشيطان المفتونين عن الرشد المرتدين عن الحق بأنهم خسروا الدنيا والآخرة بسبب مطاوعتهم لأعداء الدين في شيء من ضلالهم المبين ؛ جاء في التحذير والتنفير قول الله العلي الكبير :{ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم )٩
وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون إلى مثل هذا نودي النبي صلى الله عليه وسلم ونودي كل فرد من أمته :{ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.. )١٠ ؛ وجاء القول الحق من الله الحق :{.. لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير. والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان.. )١١ ؛ وهكذا فالهدى القرآني السوي يحملنا أمانة الدعوة إلى الله جل ذكره، مع اليقين بأنها أقوم سبيل، ويعهد إلينا بترك الانشغال بمراء السفهاء والجهال، مع إنذارهم ساعة الحساب والسؤال، ثم الجزاء الذي يخلد المبطل في سوء المآل وعذاب النكال ؛ وسنن الكتاب المجيد أن يمسكنا بالدعوة إلى الرشد، دون أن يعوقنا لغو أو تثبيط أهل الكيد ؛ كما قال ربنا تبارك اسمه { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك.. )١٢

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير