قوله :«مُسْتَكْبِرِينَ » حال من فاعل «تَنْكِصُونَ »٧،
و «بِهِ » فيه قولان : أحدهما : أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ » ١.
والثاني : أنه متعلق ب «سَامِراً » ٢.
وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن٣، لأنهم كانوا يجتمعون٤ حول البيت باللّيل يسمرون٥، وكان عامة سمرهم٦ ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون : لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ » للرسول - عليه السلام٧ -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ » كقوله : اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ٨ [ المائدة : ٨ ]. والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار٩. وقيل : ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء١٠، وهذا١١ يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول.
وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً » فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا١٢ و «سَامِراً » نصب على الحال١٣ إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ » وإمّا من الضمير في ( مُسْتَكْبِرِينَ ).
وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو :«سُمّراً » بضم الفاء وفتح العين مشددة١٤ وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضا ( سمارا ) كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء١٥، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة١٦ نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال : قَوْمٌ سَامِر١٧ ونظيره :«نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً » ١٨.
والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر١٩ الليل أو مأخوذ من السَّمَر : وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين٢٠ به قال :
| كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا | أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ٢١ |
والسُّمْرَةُ أحد الألوان٢٧، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة ٢٨.
قوله :«تَهْجُرُونَ » قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم٢٩، وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أنها من الهَجْر بسكون الجيم٣٠، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما ٣١.
والثاني : أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال : هَجَر المريض هَجَراً أي : هذى فلا مفعول له٣٢. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم٣٣ من أَهْجَر إهْجاراً، أي : أفحش في منطقه٣٤ قال ابن عباس : يعني كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه٣٥ وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة٣٦ مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر ( أو للهُجْر٣٧ )٣٨ وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات ٣٩.
٢ المراجع السابقة، والبيان ٢/١٨٧..
٣ في ب: القرآن..
٤ في ب: يجمعون..
٥ في الأصل: يسمروا وفي ب: يسحرون..
٦ في ب: سحرهم..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ للتقوى: سقط من الأصل. [المائدة: ٨]..
٩ انظر التبيان ٢/٩٥٨، البحر المحيط ٦/٤١٢ – ٤١٣..
١٠ انظر الكشاف ٣/٥١، البحر المحيط ٦/٤١٢..
١١ في الأصل: ولهذا..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٥٨، البحر المحيط ٦/٤١٣..
١٣ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١١٢، تفسير ابن عطية ١٠/٣١٨ البيان ٢/١٨٧، التبيان ٢/٩٥٨..
١٤ المحتسب، ٢/٩٦، تفسير ابن عطية ١٠/٣٨٠، البحر المحيط ٦/٤١٣..
١٥ تفسير ابن عطية ١٠/٣٨٠، البحر المحيط ٦/٤١٣..
١٦ وذلك أن (فعل) و (فعال) من أمثلة جموع الكثرة، ويطردان في كل وصف على (فاعل) صحيح اللام نحو ضارب وصائم، تقول في جمعهما ضرب وضراب، وصوم وصوام. شرح الأشموني ٤/١٣٣..
١٧ قال ابن جنى عند توجيهه قراءة (سمرا): السمر: جمع سامر، والسامر: القوم يسمرون، أي يتحدثون ليلا، وروينا عن قطرب أن السامر قد يكون واحدا وجماعة. المحتسب ٢/٩٦، وفي اللسان (سمر): والسامر اسم للجمع كالجامل، قال الأزهري: وقد جاءت حروف على لفظ فاعل، وهي جمع عن العرب، فمنها الجامل والسامر والباقر والحاضر والجامل للإبل، ويكون فيها الذكور والإناث، والسامر: الجماعة من الحي يسمرون ليلا، والحاضر: الحمي النزول على الماء والباقر: البقر فيها الفحول والإناث..
١٨ [الحج: ٥]. والتنظير بالآية على أن "طفلا" واحد في معنى الجمع التبيان ٢/٩٣٣..
١٩ في ب: سمر..
٢٠ في ب: مستأنين. وهو تحريف..
٢١ البيت من بحر الطويل قاله عمرو بن الحارث بن المضاض بن عمرو يتأسف على البيت، وقيل: هو للحارث الجرهمي، كما في اللسان. وهو في اللسان (جحن). الحجون: موضع بمكة، ناحية من البيت، وقيل: جبل بمكة وهي مقبرة. والاستشهاد بالبيت أن (سامر) يطلق على غير الواحد بلفظ المفرد فالسمار: الجماعة الذين يتحدثون بالليل..
٢٢ المفردات في غريب القرآن (٢٤٢)..
٢٣ في الأصل: قال..
٢٤ السمير: الدهر، وابنا سمير: الليل والنهار. المفردات في غريب القرآن (٢٤٢).
٢٥ في الأصل: وابله..
٢٦ المفردات في غريب القرآن (٢٤٢)..
٢٧ السمرة: منزلة بين البياض والسواد، يكون ذلك في ألوان الناس والإبل، وغير ذلك مما يقبلها إلا أن الأدمة في الإبل أكثر. اللسان (سمر)..
٢٨ اللسان (سمر)..
٢٩ وهي غير قراءة نافع. السبعة (٤٤٦) الحجة لابن خالويه (٢٥٨) الكشف ٢/١٢٩، النشر ٢/٣٢٩، الإتحاف ٣١٩..
٣٠ في ب: الميم. وهو تحريف..
٣١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/١١٣، تفسير ابن عطية ١٠/٣٨١، البيان ٢/١٨٧، التبيان ٢/٩٥٨..
٣٢ تفسير ابن عطية ١٠/٣٨١، البيان ٢/١٨٧، التبيان ٢/٩٥٨..
٣٣ السبعة (٤٤٦)، الحجة لابن خالويه (٢٥٨)، المحتسب ٢/٩٦، الكشف ٢/١٢٩ النشر ٢/٣٢٩، الإتحاف ٣١٩..
٣٤ الكشف ٢/١٢٩، مشكل إعراب القرآن ٢/١١٣، البيان ٢/١٨٧، التبيان ٢/٩٥٩..
٣٥ تفسير ابن عطية ١٠/٣٨١..
٣٦ المختصر (٩٨)، المحتسب ٢/٩٦، تفسير ابن عطية ١٠/٣٨١ – ٣٨٢، البحر المحيط ٦/٤١٣..
٣٧ المحتسب ٢/٩٧، تفسير ابن عطية ١٠/٣٨٢، البحر المحيط ٦/٤١٣..
٣٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٩ البحر المحيط ٦/٤١٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود