ﮝﮞﮟﮠ

قوله: فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ قال مقاتل: تتأخّرون عن الإيمان به تكذيبًا بالقرآن (١).
ومضى الكلام في النكوص (٢) عند قوله: نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ [الأنفال: ٤٨]
٦٧ - قوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: بِهِ (٣) تعود إلى الحرم، أو إلى البيت، أو إلى البلد مكة.
قال مجاهد: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ بالبلد مكة (٤).
وقال أبو صالح: بالبيت (٥).
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٦).
قال قتادة: مستكبرين بالحرم، يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف (٧).

(١) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ ب، ٣٢ أ.
(٢) في (ع): (النكص).
(٣) (به): ساقطة من (ظ).
(٤) رواه الطبري ٨/ ٣٨، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبته لعبد ابن حميد وابن أبي حاتم.
(٥) لم أجد من ذكر عنه هذا القول. وقد روى عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٨ عن أبي صالح قال: بالقرآن.
(٦) رواه النسائي في "تفسيره" ٢/ ٩٨، والحاكم في "مستدركه" ٢/ ٣٩٤ من رواية سعيد بن جبير، عنه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٩ وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٧) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، والطبري ١٨/ ٣٩، ٤٠، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

صفحة رقم 22

ونحو هذا قال السدي، ومقاتل، وإبراهيم (١). واختاره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، [وأبو علي.
قال الفراء: بِهِ بالبيت العتيق، يقولون: نحن أهله (٢).
وقال الزجاج: بِهِ بالبيت الحرام (٣).
وقال ابن قتيبة] (٤): مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بالبيت العتيق، يفخرون ويقولون: نحن ولاته (٥).
وقال أبو علي: مستكبرين بالبيت والحرم لأمنكم فيه، مع خوف سائر الناس في مواطنهم (٦) (٧).
وعلى هذا فالكناية عن غير مذكور.
وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ يريد بالقرآن (٨).
وذكر أبو إسحاق هذا الوجه فقال: ويجوز أن تكون الهاء للكتاب، فيكون المعنى: فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين بالكتاب، أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارًا (٩).

(١) قول مقاتل في "تفسيره" ٢/ ٣٢ أ، ولم أجد من ذكره عن السدي وإبراهيم.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣٩.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٨.
(٦) في (أ): (مواصلتهم).
(٧) "الحجة" لأبي علي ٥/ ٢٩٨.
(٨) تقدّم أن هذا القول قال به أبو صالح.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨ - ١٩. وجوَّد ابن عطية ١٠/ ٣٧٨ هذا الوجه.
وذكر الزمخشري ٣/ ٣٦ وأبو حيان ٦/ ٤١٢، والسمين الحلبي ٨/ ٣٥٨ وجهًا =

صفحة رقم 23

والمعنى على هذا القول: مستكبرين بسبب القرآن أو الكتاب.
قوله: سَامِرًا السَّمر (١): حديث القوم بالليل. يقال: سمر يسمر سمرًا، فهو سأمر (٢). ومنه الحديث: "جدب (٣) عمر السمر بعد العشاء" (٤).
وذكر أبو إسحاق اشتقاق السَّمر فقال: إنما سموا سمارا من السمر وهو (٥) ظل القمر، وكذلك السمرة في الألوان مشتقة من هذا. هذا كلامه (٦).
والسمر عنده ظل القمر.
وقال الفراء: السمر كل ليلة ليس فيها قمر، ومنه قول العرب: لا

= أجود من هذا وهو أن الكناية في "به" تعود للقرآن و"مستكبرين" ضُمِّن معنى مكذِّبين فعدى بالباء. وهو مناسب لقوله تعالى قبل ذلك قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فهؤلاء جمعوا بين التكذيب والاستكبار.
(١) في (ع): (السمر: الحديث، حديث).
(٢) انظر: (سمر) في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٩، "الصحاح" للجوهري ٢/ ٦٨٨، "لسان العرب" ٤/ ٣٧٧.
(٣) في (أ): (جدب)، وفي (ظ): (حدث)، وهي ساقطة من (ع).
(٤) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" ٣/ ٣٠٨، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٢/ ٢٧٩ عن حذيفة -رضي الله عنه-: أن عمر جدب لنا السمر بعد العشاء. وعند أبي عبيد: العتمة.
ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٩ أيضًا عن سلمان بن ربيعة قال: كان عمر بن الخطاب يتجدب لنا السمر بعد العتمة.
وذكره ابن كثير في "سند عمر بن الخطاب" ١/ ١٩٩ من حديث ابن مسعود: أجدب لنا عمر السمر بعد العشاء.
قال أبو عبيد في "غريب الحديث" ٣/ ٣٠٨: قوله: جدب السمر يعني: عابه وذَمَّه. وانظر: "تهذيب اللغة" ١٠/ ٦٧٣ "جدب" فقد ذكر الحديث وتفسير أبي عبيد له.
(٥) (وهو): ساقطة من (أ)، (ع).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨، وليس في المطبوع: في الألوان.

صفحة رقم 24

أفعل ذلك السمر والقمر، أي: ما طلع القمر وما لم يطلع (١).
وجعل ابن أحمر السمر ليلاً فقال (٢).
من دونهم إن جئتهم سمرًا... حَيُّ (٣) حلالٌ لملمٌ عكرُ (٤)
أراد إنْ جئتهم ليلاً (٥).
[والحديث بالليل سُمّي سمرًا باسم (٦) الليل] (٧)، أو لأنهم كانوا يتحدثون (٨) بالليلة المقمرة في ظلّ القمر (٩).

(١) كلام الفراء في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٩ من رواية سلمة عن الفراء، وليس في "معاني القرآن".
(٢) بيت ابن أحمر بهذه الرواية في: "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٩ (سمر)، "لسان العرب" ١٢/ ٥٥٠ (لملم)، "تاج العروس" للزبيدي ١٢/ ٧٣ (سمر).
وهو في "ديوان ابن أحمر" ص ٩٢، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٦٠، "الذيل والتكملة" للصاغاني ٣/ ٣٥ (سمر) مع اختلاف في المصراع الثاني، فروايته عندهم: عزف القيان ومجلس غمر
وصدر البيت في "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٨ منسوبًا لابن أحمر.
وقوله "حي حلال" قال الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٤٣٩ "حلل": قال أبو عبيد: الحلال: جماعات بيوت الناس، واحدها حلة، قال: وحي حلال، أي: كثير. اهـ.
و"لملمٌ": مجتمعٌ. "لسان العرب" ١٢/ ٥٥٠ (لملم).
و"عكر": مختلط. "الصحاح" للجوهري ٢/ ٧٥٦ (عكر).
(٣) في (ع): (حتى).
(٤) في (ظ): (عكرا).
(٥) من قوله: وجعل ابن أحمر... إلى هنا. نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري ١٢/ ٤١٩ (سمر).
(٦) في (أ): (اسم).
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٨) في (ع): (يحدثون).
(٩) انظر: "لسان العرب" ٤/ ٣٧٧.

صفحة رقم 25

وذكر المفضل على العكس من هذا فقال: السمر الحديث بالليل، ثم كثر ذلك حتى سموا الظلمة سمرًا (١). ومنه قولهم: حلف فلان بالسمر والقمر (٢).
واختلفوا في السمر هاهنا:
فالأكثرون على أن السامر هاهنا: اسم للجماعة الذين يسمرون. وهو معنى قول ابن عباس (٣) وأكثر المفسرين (٤).
قال أبو إسحاق: السامر: الجماعة الذين (٥) يتحدثون ليلاً (٦).
وقال المبرّد (٧): السامر: اسم للجماعة (٨)، ويقال: هو في السَّامر. أي: السُّمّار (٩)، وأنشد لوضَّاح اليمن (١٠):

(١) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" ١٢/ ٤٢٠ نحو هذا القول عن الأصمعي.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري ٢/ ٤٢٠، "لسان العرب"٤/ ٣٧٧.
(٣) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٩ عن ابن عباس في قوله: "سامرًا تهجرون" قال: كانت قريش يتحلقون حلقا تحدثون حول البيت. وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٤) انظر: "الطبري" ١٨/ ٣٩، "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٥) (الذين): موضعها بياض في (ظ).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨.
(٧) ذكر النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٤٧٥ عن المبرد أوَّله بمعناه.
(٨) في (ظ): (الجماعة).
(٩) في (أ): (السما).
(١٠) هو: عبد الرحمن- وقيل: عبد الله، وقيل: وضاح- بن إسماعيل بن كلال، من آل حولان، الحميري، شاعر غزل ونسيب. قيل أنه قدم مكة حاجًا في خلافة الوليد بن عبد الملك فرأى "أم البين" بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد فغزل بها، فقتله الوليد. "فوات الوفيات" ١/ ٢٥٣، "الأغاني" ٦/ ٣٠ - ٤٤، "النجوم الزاهرة" ١/ ٢٦٦، "الأعلام" ٣/ ٢٩٩.

صفحة رقم 26

قالت: إذا جئت أبا جابر
فَأتِ إذا ما هجع السَّامر (١)
وقال الأزهري: قد جاءت للعرب حروف على لفظ فاعل وهي جمع. فمنها الجامل وهي الإبل تكون فيها المذكور (٢) والإناث، والسَّامر: القوم يسمرون ليلاً، والحاضر: الحي النَّازل على الماء، والباقر: البقر (٣) (٤).
وذهب قوم إلى أن السامر هاهنا واحد في معنى الجمع كما يراد بالواحد الجمع كقوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥]. وهو مذهب المفضل وأبي عبيدة (٥)، وأنشد (٦):

(١) البيت في "الأغاني" للأصبهاني ٦/ ٢١٦ ورواية صدره فيه:
قالت: لقد أعييتنا حُجَّةَ..... فَأتِ
وفي "ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري ١/ ٢٢٦ ورواية صدره:
قالت: فأمَّا كنت أعييتنا
أحد أبيات قصيدة يذكر فيها "روضة" صاحبة، ومطلعها:
قالت: ألا لا تَلِجْن دارنا... إن أبانا رجل غائر
(٢) في (أ): (الذكورة).
(٣) في (ظ)، (ع): (والبقر).
(٤) تهذيب اللغة" ١٢/ ٤١٩ "سمر" مع اختلاف في بعض الألفاظ وتقديم وتأخير.
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٦٠. ولم أجد من ذكره عن المفضل، وقد ذكره الثعلبي ٣/ ٦٢ ب - ٦٣ أهذا القول وصدره بقوله: قيل، والثعلبي ينقل عن المفضّل.
(٦) ورد البيت في حاشية نسخة (س) من المجاز من غير نسبة كما ذكر ذلك محققه ٢/ ٦٠. وهو بلا نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري ٤/ ٢٠٠ (حضر)، "المحكم" لابن سيده ٣/ ٨٦، "لسان العرب" ٤/ ١٩٧ (حضر).
وعجزه بلا نسبة في "مقاييس اللغة" لابن فارس ٤/ ١٠٦. =

صفحة رقم 27

في حاضر لجب بالليل سامره فيه الصَّواهلُ والرَّاياتُ والعكر
وقال مجاهد: بالقول في القرآن (١).
وقال الكلبي: يقولون الهُجْرَ من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- (٢).
وقال السدي: تهجرون محمدًا بالشتيمة (٣).
وقال إبراهيم: تقولون فيه غير الحق (٤). ونحو هذا قال عكرمة (٥).
وقال الحسن: تهجرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكتاب الله (٦).
= والحاضر: الحيّ العظيم، والحي إذا حضروا الدار التي بها مجتمعهم. ابن سيدة ٣/ ٨٦.
لجب: أي ذو جلبة وكثرة. "الصحاح" ١/ ٢١٨ (لجب).
والصواهل: قال ابن منظور ١١/ ٣٨٦: الصَّواهِل: جمع الصَّاهلة، مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل، وهو الصوت كقولك: سمعت رواي الإبل. والصَّهيل للخيل. والرايات: الأعلام، واحدها راية. "القاموس المحيط" ٤/ ٣٣٨ (روى).
والعكرُ: قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" ٤/ ١٠٦: العكرُ: القطيع الضَّخْم من الإبل فوق الخمسمائة. ثم أنشد عجز البيت.
(١) رواه الطبري ١٨/ ٤٠، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٨ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٢) روى عبد الرزاق ٢/ ٤٧ عن الكلبي قال: يقولون هجرًا. والهجر: القبيح من الكلام. "القاموس المحيط" ٢/ ١٥٨.
(٣) لم أجد من ذكره عنه.
(٤) روى الطبري ١٩/ ٩، وابن أبي حاتم ٧/ ١٨٠ عن إبراهيم النخعي في قوله تعالى إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: ٣٠] قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض قال غير الحق.
(٥) روى عبيد بن حميد كما في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٩ عنه قال: تهجرون الحق. وذكر النحاس عنه في "معاني القرآن" ٤/ ٤٧٦ أنه قال: تشركون.
(٦) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، والطبري ١٨/ ٤١، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٨ ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.

صفحة رقم 28

وقال مقاتل: تهجرون القرآن فلا تؤمنون به (١).
وذكر الفراء، والكسائي، والزجاج، القولين جميعًا.
قال الفراء: إذا كان الليل وسمرتم هجرتم القرآن والنبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا من الهجر، أي تتركون ذلك وترفضونه. قال: ويجوز أن تجعله من الهذيان قال: هجر الرجل في منامه، إذا هذى. أي أنكم تقولون فيه ما ليس فيه ولا يضره فهو كالهذيان (٢).
ونحو هذا ذكر الكسائي (٣)، والزجاج (٤).
واختار (٥) المفضل، وأبو علي القول الثاني.
فقال المفضل: يعني تهجرون القرآن وترفضونه فلا تلتفتون إليه.
وقال أبو علي: المعنى أنكم كنتم (٦) تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي، فلا تنقادون له وتكذبون به، كقوله: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٧).
وقرأ نافع تُهجِرون بضم التاء (٨)، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد (٩)،

(١) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٢ أ.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣٩ مع اختلاف يسير.
(٣) ذكر النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ١١٨ عنه أنه قال: تهجرون: تهذون.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨.
(٥) في (أ): (واختيار).
(٦) (كنتم): ساقطة من (أ).
(٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي ٥/ ٢٩٨.
(٨) وكسر الجيم. وقراءة الباقين بفتح التاء وضم الجيم. "السبعة" ص ٤٤٦، "التيسير" ص ١٥٩، "النشر" ٢/ ٣٢٩.
(٩) قراءة ابن عباس في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣٩، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٤٧٦. وقد روى الأزهري في "علل القرآن" ٢/ ٤٣٧ من طريق مجاهد، عن ابن عباس هذه القراءة.

صفحة رقم 29

وقالا: هو من الهجر وهو الُفحْش، وكانوا يسبُّون النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خلوا حول البيت (١).
يقال: هجر يهجر هجرًا وهجرانا (٢)، إذا صرم (٣) وتباعد ونأى. وهجر يهجر هجرا، إذا قال غير الحق (٤)، ومنه قول أبي سعيد الخدري لبنيه: إذا طفتم (٥) بالليل فلا تلغوا ولا تهجروا (٦). أي: لا تهذوا (٧).

(١) من قوله "وهو قراءة ابن عباس" إلى هنا. هذه عبارة الفراء كما في "معاني القرآن" ٢/ ٢٣٩ و"تهذيب اللغة" ٦/ ٤١ مع اختلاف يسير في أوله وزاد الواحدي مجاهدًا. وقد روى الطبراني في "الكبير" ١١/ ٧٤ من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف "مستكبرين به سامرًا تهجرون" قال: كان المشركون يهجرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شعرهم.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٧٣: وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف. اهـ.
ورواه الحاكم في "مستدركه" ٢/ ٢٤٦ مرفوعًا من طريق يحيى به، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ... الحديث.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فتعقّبه الذهبي بقوله: قلت: بل يحيى متروك، قال النسائي.
وقد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٩ بمثل رواية الحاكم، ونسبه إليه وإلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.
(٢) بالكسر قاله الفيروزآبادي ٢/ ١٥٧.
(٣) صرم: قطع. "لسان العرب" ١٢/ ٣١٣ (صرم).
(٤) انظر: (هجر) في "الصحاح" للجوهري ٢/ ٨٥١، "لسان العرب" ٥/ ٢٥١ - ٢٥٤.
(٥) في (أ): (حلفتم).
(٦) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٢ عن أبي سعيد. ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" ٢/ ٦٣ - ٦٤.
(٧) "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٢ منسوبًا لأبي عبيد، وهو في "غريب الحديث" ٢/ ٦٤.

صفحة رقم 30

والهجر هو الإفحاش في النطق. قاله الكسائي والأصمعي (١). ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم- في زيارة القبور: "فزوروها ولا تقولوا هُجرا" (٢) ويقال من هذا: أهْجَر الرجل يهجر. قال الشَّمَّاخ:
كما جدة الأعراق قال ابنُ (٣) ضَرَّةٍ عليها كلامًا جار فيه وأهْجَرا (٤).
والاختيار القراءة الأولى؛ لأنها تجمع (٥) المعنيين (٦).

(١) ذكره عنهما الأزهري في "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٢ (هجر) من رواية أبي عبيد عنهما. وهو في "غريب الحديث" ٢/ ٦٣ لأبي عبيد.
(٢) رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" ٢/ ٦٣، والإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ٣٦١، والنسائي في "سننه" (كتاب الجنائز- باب زيارة القبور ٤/ ٨٩) من حديث بريدة. قال الألباني في "الصحيحة" ٣/ ٥٧٦ عن رواية النسائي: بسند صحيح.
(٣) في (أ): (لضرة)، وفي (د)، (ع): (لي ضرة)، والتصويب من غريب الحديث والتهذيب وغيرهما.
(٤) بيت الشمَّاخ في "غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ٦٣، "تهذيب اللغة" للأزهري ٦/ ٤٢ "هجر"، "المحتسب" لابن جني ٢/ ٩٦ - ٩٧ وفيه: الأعراف، وهو تصحيف، "الصحاح" للجوهري ٢/ ٨٥١ (هجر)، "لسان العرب" ٥/ ٢٥٣ "هجر". كلهم بمثل الرواية هنا. والبيت في "ديوانه" ص ١٣٥ وروايته فيه: مَمجّدة الأعراق.
وقال عبد الله بن بَرَّي في كتابه "التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح" ٢/ ٢٣٥: المشهور في رواية البيت عبد أكثر الرواة "مبرأة الأخلاق" عوضًا من قوله: كما جدة الأعراق، وهو صفة لمخفوض في بيت قبله، وهو:
كأن ذراعيها ذراعا مدلة بعيد السباب حاولت أن تَعَذَّرا
يقول: كأنَّ ذراعي هذه الناقة في حسنهما وحسن حركتهما ذراعا امرأة مدلة بحسن ذراعيها أظهرتهما بعد السَّباب لمن قال فيها من العيب ما ليس فيها، وهو قول ابن ضرتها، ومعنى تعذّر: أي تعتذر من سوء ما رميت به. اهـ.
(٥) في (أ): (جمع).
(٦) انظر في توجيه القراءتين: "علل القراءات" للأزهري ٢/ ٤٣٧، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه ٢/ ٩٢ - ٩٣، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٤٨٩.

صفحة رقم 31

وتقدير الآية: مستكبرين به سامرين هاجرين. غير أن الحال ترد بعبارات (١) فتكون أحسن، كما تقول: رأيت فلانًا راكبا يحدث وهو غضبان. [فتغير عبارات الحال، ويكون أحسن (٢) من أن تقول: رأيته راكبًا محدثًا غضبان] (٣).
واختلفوا في موضع الوقف في هذه الآية:
فالأكثرون على أن الوقف في آخرها؛ لأنّه منتهى ذكر الأحوال، ولا يحسن الوقف في أثنائها (٤) (٥).
وقال أبو حاتم (٦): يحسن الوقف على قوله: مُسْتَكْبِرِينَ ثم يبتدئ بِهِ سَامِرًا (٧) وهذا مذهب النحاس وابن الأنباري.
قال النحاس: بِهِ أي بالبيت سَامِرًا تَهْجُرُونَ آياتي أو تهذون (٨).
وقال ابن الأنباري: مُسْتَكْبِرِينَ وقف حسن، ثم تبتدئ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ على معنى: بالبيت العتيق تهجرون النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن في وقت سمركم. قال: ويجوز أن يكون معنى تَهْجُرُونَ تهذون (٩).

(١) في (أ): (بمسارات).
(٢) في (أ): (من احسن).
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).
(٤) في (أ): (أبنائها).
(٥) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص ٥٠٣، "منار الهدى" للأشموني ص ٢٦٣.
(٦) هو: أبو حاتم السجستاني.
(٧) ذكره عنه النحاس في "القطع والائتناف" ص ٥٠٣، "الداني في المكتفى" ص ٤٠٢، الأشموني في "منار الهدى" ص ٢٦٣.
(٨) "القطع والائتناف" ص ٥٠٣. ووقع في المطبوع: إبنيائي أو تهزؤن.
(٩) "إيضاح الوقف والابتداء" ٢/ ٧٩٢ - ٧٩٣.

صفحة رقم 32

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية