قوله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم... والسعة إلى قوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات :
نزلت هذه الآية على مشهور الروايات (١) في قصة أبي بكر الصديق ومسطح بن أثاثة (٢) ابن بنت خالته وكان أبو بكر ينفق عليه فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه. واعتذر إليه مسطح وقال : كنت أغشي مجلس حسان (٣) فأسمع ولا أقول. فقال : لقد ضحكت وشاركت فيما قيل، ومن على يمينه. فنزلت الآية (٤) وقيل بل نزلت من أجل جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا : والله ما نصل من تكلم في شأن عائشة. فنزلت الآية، والأول أصح. إلا أن لفظ الآية عام بأن لا يحلف أحد على منع فضل لمن كانت صفته هذه. ورأى الفقهاء أن من حلف أن لا يفعل سنة من السنن أو مندوبا إليه أنها حرمة في شهادته، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أيكم المتآلي على الله أن لا يفعل خيرا " (٥). وفي الآية دليل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرا منه أن يحنث ولا يستمر على اليمين كما قال عليه الصلاة والسلام : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " (٦) وفي هذا دليل بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم وأن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرما بحكم يمينه، " وهذا أبين في هذا المعنى. وقد قال قوم (٧) إنه إذا حلف فلا كفارة كفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد وقد قال عليه الصلاة والسلام : " فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه ".
٢ مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. توفي سنة ٣٤هـ/ ٦٥٤م. انظر الإصابة ٣/ ٣٨٨..
٣ حسان: هو حسان بن ثابت بن المنذر من بني النجار الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة ٥٤هـ/ ٦٧٦م. انظر الإصابة ٢/ ٢٣٧..
٤ راجع لباب النقول ص ١٥٨٠، أسباب النزول ص ٢٤٣..
٥ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كتاب الصلح، باب: هل يشير الإمام بالصلح ٣/ ١٧٠..
٦ الحديث أخرجه مالك عن أبي هريرة في الموطأ، كتاب النذور والأيمان، باب: ما تجب فيه الكفارة من الأيمان ١/ ٣١١..
٧ في (أ)، (ز): "بعضهم"..
أحكام القرآن
ابن الفرس