ثم يقول الحق سبحانه١ :
ولا يأتل٢ أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ( ٢٢ ) :
تورط في حادثة الإفك جماعة من أفاضل الصحابة ممن طبع على الخير، لكنه فتن بما قيل وانساق خلف من روجوا لهذه الإشاعة، وكان من هؤلاء مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ينفق عليه ويرعاه لفقره، فلما قال في عائشة ما قال وخاض في حقها أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه، وقد كان يعيش وأهله في سعة أبي بكر وفضله، لأن هذه الفتنة جعلت بعض أهل الخير يضن به.
وهذا نموذج لمن ينكر الجميل ولا يقدر صنائع المعروف، وهذا الفعل يزهد الناس في الخير، ويصرفهم عن عمل المعروف، والله تعالى يريد أن يصحح لنا هذه المسألة، فهذه نظرة لا تتفق وطبيعة الإيمان، لأن الذي يعصى الله فيك لا تكافئه إلا بأن تطيع الله فيه.
وحين تترك من أساء إليك لعقاب الله وتعفو عنه أنت، فإنما تركته للعقاب الأقوى، لأنك إن عاقبته عاقبته بقدرتك وطاقتك، وإن تركت عقابه لله عاقبه بقدر طاقته تعالى وقدرته.
إذن : العافي أقسى قلبا من المنتقم، وسبق أن مثلنا لذلك بالأخ حين يتعدى على أخيه الأصغر، فيأتي الأب فيجد صغيره مهانا مظلوما، فيأخذه في حضنه، ويحاول إرضاءه وتعويضه عما لحقه من ظلم أخيه، كذلك الحال في هذه المسألة ولله المثل الأعلى.
ومن هنا يجب عليك أن تسر بمن جعل الله في جانبك، وتحسن إليه، لا أن ترد له الإساءة بمثلها.
إذن : نزلت هذه الآية في مسطح بن أثاثة حين أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه وعلى أهله، وأن يمنع عنه عطاءه وبره، نزلت لتصحح للصديق هذه النظرة وتوجه انتباهه إلى جانب الخير الباقي عند الله لا عند الناس.
فقال تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة.. ( ٢٢ ) [ النور ] :
يأتل.. ( ٢٢ ) [ النور ] ائتلى مثل اعتلى تماما، ومنها تألى يعني : حلف وأقسم، يوجه الحق- تبارك وتعالى- الصديق أبا بكر، ويذكر لفظ أولوا.. ( ٢٢ ) [ النور ] : الدال على الجماعة لتعظيمه لما له من فضل ومنزلة في الإسلام، ففي كل ناحية له فضل، لذلك أعطاه وصفين مثل ما أعطى للنبي ( ص )، فقال للصديق : وليعفوا وليصفحوا.. ( ٢٢ ) [ النور ]، وقال للنبي ( ص ) : فاعف عنهم واصفح.. ( ١٣ ) [ المائدة ].
كذلك، ألا ترى الصديق ثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في أمور كثيرة، فهو ثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في قبول دعوة الإسلام الأولى، لذلك صدق سيدنا رسول الله ( ص ) حين قال عن الصديق : " كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان ". يعني : في التسابق في الخير " فسبقته إلى النبوة فاتبعني : ولو سبقني إليها لاتبعته " ٣.
ولما كان لأبي بكر أفضال كثيرة في زوايا متعددة لم يخاطبه بصيغة المفرد، إنما بصيغة الجمع تكريما وتعظيما.
ألا ترى الصديق مع ما عرف عنه من الحلم ورقة القلب لما انتقل رسول الله ( ص ) إلى الرفيق الأعلى وحدثت مسألة الردة يقف ويقول : " والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله لجالدتهم بالسيف، لو لم أجد إلا الذر " ٤.
هذا موقف الصديق رقيق القلب، لين الجانب، صاحب الرحمة والحنان، الذي تقول عنه ابنته " إنه رجل بكّاء٥ " يعني : كثير البكاء. في حين يعارضه في أمر الحرب عمر مع ما عرف عنه من الشدة والقسوة على الكفار. لكن هذا التناقض في موقف كل منهما يقوم دليلا على أن الإسلام ليس طبعا غالبا على المسلم إنما موقف يعود المسلم إليه، فموقف الردة هو الذي جعل من الصديق أسدا شجاعا قاسي القلب، ولو أن عمر في مكانه من المسئولية وفعل كما فعل الصديق لقالوا : شدة ألفها الناس من عمر.
فكأن الإسلام لا يريد أن يطبع المسلم على طبع خاص يظل عليه، إنما الموقف هو الذي يطبعك إيمانيا، وهذا ما ذكرناه في قوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.. ( ٢٩ ) [ الفتح ].
فالمسلم ليس مفطورا لا على الشدة وحدها، ولا على الرحمة وحدها، إنما عليه أن يتصرف في كل موقف بما يناسبه على ضوء ما شرع الله.
فقوله تعالى : أولوا الفضل منكم والسعة.. ( ٢٢ ) [ النور ] : يقول للصديق : أنت رجل فاضل صديق، وعندك سعة فلا تعطي ولا تؤثر على نفسك من ضيق، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مسطح، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله، وعوقب بحد القذف ثمانين جلدة، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك.
ومن سماحة الإسلام أن من وقع في حد وعوقب به لا يجوز لأحد أن يعيره بذنبه، لأنه تاب وأناب وطهره الله منه بالحد، وانتهت المسألة، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه.
فكأن الحق- تبارك وتعالى- يقول : ارجع إلى فضلك يا أبا بكر، وعد أنت إلى سعتك، وكن موصول المروءة، ولا تقطع رحمك، يريد- سبحانه وتعالى- أن يصفي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلت المجتمع المؤمن في المدينة.
ولا يليق بذي الفضل والسعة أن يعامل الناس بالعدل، فصحيح أن مسطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصديق صاحب الفضل والسعة.
ولو أجريت إحصاء للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون، ستعلم أن المؤمنين قلة والكافرين كثرة، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون : أعطوا من آمن، واتركوا من كفر ؟ وكأن الحق- تبارك وتعالى- يعطينا مثلا في ذاته عز وجل، فكما أنه يعطي من كفر به ويرزقه، بل ربما كان أحسن حالا ممن آمن، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عمن أساء إليك.
لذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ( ٢٢٤ ) [ البقرة ] :
فإن كنت بارا بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبره، فقد تهدأ ثورتك عليه، وتريد أن تبره، وتتحجج بحلفك، إذن : لا تجعلوا الله عرضة لحلف يمنعكم من المعروف.
ثم يقول سبحانه : أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.. ( ٢٢ ) [ النور ] : صحيح أن مسطح من ذوي قربى أبي بكر ومن المساكين، لكن يعطيه الله نيشانا آخر، فلم يخرجه ما قال من وصف المهاجر، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم.
فمن فضل الله تعالى على عباده أن السيئة لا تحبط الحسنة، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها، كما قال عز وجل : إن الحسنات يذهبن السيئات.. ( ١١٤ ) [ هود ].
فرغم ما وقع فيه مسطح، فقد أبقاه الله في العتب على أبي بكر، وتحنين قلبه، وأبقاه في المهاجرين.
وليعفوا وليصفحوا.. ( ٢٢ ) [ النور ] : العفو : ترك العقوبة على الذنب، لكن قد تعفو عن المذنب ثم تؤنبه، وتمن عليه بعفوك، وتذكره دائما أنه لا يستحق منك هذا العفو، لذلك يحثنا ربنا- تبارك وتعالى- على الصفح بعد العفو، والصفح : ترك المن وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة عنده أهون من عفوك عنه.
ذلك لأن الحق سبحانه حينما يشرع للبشر ما ينظم العلاقات بينهم يراعي جميع ملكات النفس، لا يقتصر على الملكات العالية فحسب، إنما لكل الملكات التي تنتظم الخلق جميعا، وليأخذ كل منا على قدر إيمانه وامتثاله لأمر ربه.
وفي ذلك يقول سبحانه : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( ١٢٦ ) [ النحل ] : ولو تأملنا حقيقة المثلية في رد الإساءة لوجدناها صعبة في تقديرها، فإن ضربك شخص ضربة، أعندك القدرة التي ترد بها هذه الضربة بمثلها تماما بنفس الطريقة، وبنفس القوة، وبنفس الألم، بحيث لا تكون أنت معتديا ؟ إنك لو تأملت هذه المثلية لفضلت العفو بدل الدخول في متاهات أخرى.
وسبق أن ذكرنا قصة المرابي الذي اشترط على المدين إن تأخر في السداد أن يقطع رطلا من لحمه، ولما تأخر الرجل في السداد خاصمه عند القاضي، وأخبره بما كان بينهما من شرط، وكان القاضي ذكيا فقال للمرابي : خذ السكين واقطع رطلا من لحمه، لكن إن زاد أخذناه منك، وإن نقص أخذناه منك، فتراجع المرابي لأنه لا يستطيع تقدير هذه المسألة.
فإن انصرفنا عن المعاقبة بالمثل وسعنا العفو، وانتهت المسألة على خير ما يكون.
وفي مرتبة أخرى يقول سبحانه : والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ( ١٣٤ ) [ آل عمران ] :
فالحق- تبارك وتعالى- يجعل لنا مراتب في رد السيئة، فالعقاب بالمثل مرتبة، وكظم الغيظ مرتبة، والعفو مرتبة، والصفح مرتبة، وأعلى ذلك كله مرتبة الإحسان إلى من أساء إليك والله يحب المحسنين ( ١٣٤ ) [ آل عمران ].
ثم يجعل الحق سبحانه من نفسه أسوة لعباده فيقول : ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. ( ٢٢ ) [ النور ] : فكما تحب أن يغفر الله لك ذنبك، فلماذا لا تغفر أنت لمن أساء إليك ؟ وكأن ربنا- عز وجل- يريد أن يصلح ما بيننا، لذلك لما نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر قال : أحب يا رب، أحب يا رب، أحب يا رب٦.
ومعنى ألا.. ( ٢٢ ) [ النور ] : أداة للحض وللحث على هذا الخلق الطيب والله غفور رحيم ( ٢٢ ) [ النور ] : فمن تخلق بأخلاق الله تعالى فليكن له غفران، وليكن لديه رحمة، ومن منا لا يريد أن يتصف ببعض صفات الله، فيتصف بأنه غفور ورحيم ؟.
٢ يأتل: معناه يحلف. وقالت فرقة: معناه يقصر. [القرطبي ٦/٤٧٤٣]..
٣ عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله (ص): "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" أخرجه البخاري في صحيحه (٣٦٥٤)..
٤ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٧٢٨٤، ٧٢٨٥)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٠) كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة بلفظ: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم على منعه"..
٥ أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٦) كتاب الصلاة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن"..
٦ ذكر ابن كثير في تفسيره (٣/٢٧٦) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: لا أنزعها منه أبدا، في مقابلة ما كان قال، والله لا أنفعه بنافعة أبدا..
تفسير الشعراوي
الشعراوي